ساعات قليلة تفصل المغاربة عن إغلاق باب التسجيل الاستثنائي في اللوائح الانتخابية العامة، الذي فتحته وزارة الداخلية منتصف ماي الماضي ومددت أجله إلى غاية 13 يونيو الجاري، استعداداً لانتخابات أعضاء مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر المقبل. ورغم النداءات التي أطلقتها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يلاحظ مراقبون أن هذه الدعوات لم ترقَ إلى حملات واسعة وميدانية تستهدف عموم المواطنين، بل ظلت في الغالب موجهة نحو القواعد التقليدية أو الفئات التي يُتوقع أن تكون موالية أو قابلة للاستقطاب الحزبي.
بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، حسب معطيات وزارة الداخلية عند متم مارس الماضي، 16 مليوناً و8327 مسجلاً. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل ستنعكس هذه الزيادة المحتملة على مشاركة سياسية واسعة، أم أننا مقبلون على “انتخابات الموالين فقط”، حيث تتحدد النتائج أساساً بمن استطاعت الأحزاب تعبئتهم من قواعدها ومحيطها المباشر؟
آراء الخبراء: آمال وتحديات الثقة
وحسب مقال منشور بجريدة هسبريس ، تحت عنوان “هل تتوسع المشاركة السياسية بالقيد الاستثنائي في اللوائح الانتخابية العامة؟”. يرى عباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تمديد فترة التسجيل يشكل “إشارة قوية” تدعو المواطنين إلى الاطلاع على حقوقهم الدستورية، ويؤكد أن “القيمة المضافة ستتحقق”، معتبراً التسجيل آلية مهمة لقطع الطريق على مفسدي العمل الانتخابي، مع التركيز على مشاركة الشباب والمناطق القروية.أما كريمة غراض، الباحثة في العلوم السياسية والقانون الدستوري، فتتوقع زيادة محدودة في عدد المسجلين، مرجعة ذلك إلى “عزوف لدى الشباب بالخصوص” و”تآكل الثقة بين الناخبين والمؤسسات التمثيلية”. وتشير إلى أن الدعوات الحزبية كان ينبغي أن تكون استباقية ومبنية على برامج حقيقية تهتم بنبض المواطنين، بدلاً من الاكتفاء بنداءات عامة.
أما كريمة غراض، الباحثة في العلوم السياسية والقانون الدستوري، فتتوقع حسب نفس المقال، زيادة محدودة في عدد المسجلين، مرجعة ذلك إلى “عزوف لدى الشباب بالخصوص” و”تآكل الثقة بين الناخبين والمؤسسات التمثيلية”. وتشير إلى أن الدعوات الحزبية كان ينبغي أن تكون استباقية ومبنية على برامج حقيقية تهتم بنبض المواطنين، بدلاً من الاكتفاء بنداءات عامة.
الاستراتيجية الحزبية: التركيز على “الموالين” بدل التوسيع الواسع
هنا يبرز تحليل أعمق يتجاوز مجرد ضعف الثقة: الأحزاب الكبرى، على ما يبدو، لم تنخرط في حملات تسجيل واسعة تستهدف عموم المواطنين غير المسجلين، واكتفت في الغالب بتحفيز قواعدها التقليدية أو الفئات التي يمكن أن تتحول إلى موالين أو ناخبين محتملين. هذا النهج ليس صدفة، بل قد يكون خياراً استراتيجياً مدروساً، خاصة في ظل نظام القاسم الانتخابي المعمول به منذ تعديل 2021.
يُحسب القاسم على أساس عدد المسجلين في الدائرة مقسوماً على عدد المقاعد، ثم تُوزع المقاعد حسب عدد الأصوات التي تحصل عليها كل لائحة. زيادة عدد المسجلين ترفع قيمة القاسم تلقائياً، مما يستلزم أصواتاً أكثر للفوز بمقعد. وإذا كانت هذه الزيادة تأتي من فئات غير مضمونة الولاء أو التصويت للحزب المعني، فإنها قد تُضخم العتبة دون أن تضيف أصواتاً حقيقية لصالحه.
في هذا السياق، يصبح التركيز على “الموالين” خياراً أكثر أماناً حسابياً واستراتيجياً. فالأحزاب الكبرى تمتلك قواعد منظمة وقادرة على التعبئة السريعة والمضمونة نسبياً. تعبئة هذه القواعد فقط تضمن تركيز الأصوات في الدوائر القوية، وتجنب مخاطر رفع القاسم بمسجلين جدد قد لا يصوتون أو يصوتون للمنافسين. أما الحملات الواسعة التي تستهدف الشباب أو الفئات غير المنخرطة تقليدياً، فتحمل مخاطر حسابية ولوجستية أكبر، خاصة في ظل تآكل الثقة الذي أشارت إليه الباحثة غراض.
من “انتخابات من حضر” إلى “انتخابات الموالين فقط”
بهذا المنطق، لا نتحدث فقط عن “انتخابات من حضر” (أي من صوت فعلياً يوم الاقتراع)، بل عن “انتخابات الموالين فقط”. فالنتائج تتحدد أساساً بقدرة كل حزب على تعبئة قاعدته ومحيطها المباشر، وليس بقدرته على توسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل فئات جديدة. هذا النمط يعزز الدينامية الحزبية التقليدية القائمة على الولاء والاستقطاب المباشر، ويقلل من الحاجة إلى برامج سياسية جذابة أو جهود تحسيسية واسعة تستهدف المواطن العادي.
يتقاطع هذا التوجه مع ملاحظات الخبراء حول عزوف الشباب وتآكل الثقة: إذا كانت الأحزاب الكبرى لا ترى مصلحة فورية في توسيع القاعدة الانتخابية بشكل حقيقي، فإن دعواتها تبقى شكلية، ويظل العزوف السياسي مستمراً. النظام الانتخابي نفسه (القاسم المبني على المسجلين) يُسهل هذا الخيار، لأنه يجعل التركيز على “الأصوات المضمونة” أكثر ربحية من محاولة استقطاب ناخبين جدد قد يرفعون القاسم دون أن يضيفوا إلى رصيد الحزب.
بين الحساب الرياضي والثقة السياسية
يبدو أن الأحزاب الكبرى اختارت، بوعي أو بحساب، الاكتفاء بتعبئة “مواليها” أو من يمكن أن يكونوا كذلك، بدلاً من الانخراط في حملة تسجيل واسعة وشاملة. هذا الخيار الاستراتيجي، المدعوم بحسابات القاسم الانتخابي، يجعل من انتخابات 23 شتنبر المقبل أقرب إلى “انتخابات الموالين فقط” منها إلى استحقاق وطني يعكس إرادة عامة واسعة.
هل سيؤدي هذا النمط إلى تعزيز الاستقرار الحزبي التقليدي، أم أنه سيُفاقم من أزمة الثقة والمشاركة السياسية على المدى الطويل؟
الإجابة ستتضح بعد الاقتراع، لكن المؤشرات الحالية تشير إلى أن الانتخابات المقبلة ستظل، إلى حد كبير، شأناً داخلياً للقواعد الحزبية أكثر من كونها لحظة مشاركة مواطنية واسعة.
قم بكتابة اول تعليق