يواجه المغرب اليوم مفارقة بنيوية حادة تتجلى في تقاطع صارخ بين مؤشرات نمو اقتصادي إيجابية على الورق، وبين تحديات اجتماعية وإدارية تمس الجوهر اليومي للمواطن. فبينما تسجل المملكة نمواً في الناتج الداخلي يقارب 3.8% وزيادة في المداخيل الجبائية بنسبة 14.5%، تبرز على السطح “متلازمة مغرب السرعتين” التي تعكس اتساع الفوارق المجالية والطبقية.
أزمة الأضاحي: جشع “الشناقة” أم قسوة المناخ؟
تشكل مناسبة عيد الأضحى المختبر الأبرز لهذه التناقضات؛ حيث يعيش المواطن تحت وطأة غلاء فاحش، يرجعه البعض إلى الجفاف الهيكلي الذي أدى لتراجع رؤوس الماشية بنسبة 38% مقارنة بالسنوات التسع الماضية. إلا أن المصادر تكشف عن “غول” آخر يتمثل في شبكات الوسطاء والمضاربين (الشناقة)، الذين يستنزفون جيوب المواطنين بهوامش ربح تتراوح بين 4500 و6000 درهم للرأس الواحد، دون تقديم أي قيمة مضافة.
ورغم ضخ الحكومة لدعم مالي قدره 11 مليار درهم لحماية القطيع وتخفيف التكاليف، إلا أن أثر هذا الدعم ظل محدوداً على المستهلك النهائي بسبب تحكم هذه الفئات الطفيلية في مسالك التوزيع.

العنف الرمزي والاستهلاك القسري
سوسيولوجياً، لم يعد العيد مجرد شعيرة دينية، بل تحول إلى “عنف رمزي” يمارسه المجتمع على فئاته الهشة. يجد المواطن ذو الدخل المحدود (الذي قد لا يتجاوز 3000 درهم) نفسه مضطراً للاقتراض لشراء أضحية تفوق طاقته، هرباً من “نظرة الدونية” أو الإقصاء الاجتماعي. هذا الطلب القسري غير المرن هو ما يستغله المضاربون عبر ترويج فيديوهات “مضللة” لرفع السقف المرجعي للأسعار في المخيال الشعبي.
نزيف الإدارة: زمن مهدور وخدمات “مُسلعة”
لا تتوقف الاختلالات عند الأسواق، بل تمتد لعمق المرفق العام. تكشف التقارير الرقابية عن واقع صادم في قطاع التعليم، حيث سُجل 636,400 يوم غياب غير مبرر في سنة واحدة، وهو ما يعادل غياب 4000 مدرس طيلة السنة الدراسية. كما برزت ظاهرة “شواهد المجاملة” الطبيعية كوسيلة للتهرب من الواجب المهني، حيث رصدت وزارة التربية الوطنية حوالي 17 ألف شهادة طبية في فترات متزامنة.
وفي القطاع الصحي، تظهر الأرقام أن 91% من نفقات التأمين الإجباري عن المرض (AMO) تذهب مباشرة نحو القطاع الخاص المربح، بينما يظل المستشفى العمومي يعاني من ضعف التجهيزات ونزيف الأطر التي يشتغل بعضها بشكل غير قانوني في المصحات الخاصة.
العدالة المجالية: مركزية الثروة وهامش التنمية
تتجسد “السرعة الثانية” في التمركز الجغرافي الحاد للثروة؛ إذ تستحوذ ثلاث جهات كبرى فقط على 58% من الناتج الداخلي الخام. هذا الاختلال ينسحب على توزيع الموارد البشرية، حيث يتمركز 90% من الموظفين في خمسة قطاعات أساسية، مع تفضيل العمل في المناطق المركزية على حساب الهوامش والمناطق النائية، مما يحرم ملايين المواطنين من حقهم الدستوري في خدمات ذات جودة.
نحو جراحة إصلاحية شاملة
لمواجهة هذا الوضع، بدأت الدولة في تفعيل ترسانة من الإصلاحات، أبرزها:
- تخليق قطاع التعليم: عبر النظام الأساسي الجديد الذي منع الدروس الخصوصية المؤدى عنها وفرض غرامات تصل إلى 120 ألف درهم على المؤسسات المخالفة، موازاة مع زيادة صافية في الأجور قدرها 1500 درهم لتحسين الوضعية المادية للأطر التربوية.
- هيكلة الأسواق: مشروع قانون جديد لإصلاح أسواق الجملة يعتمد مبدأ “وسيط واحد فقط” بين المنتج والمستهلك لقطع الطريق على المضاربين.
- الرقمنة والمحاسبة: التوجه نحو رقمنة المراقبة الإدارية وربط الأجر بالعمل فعلياً، مع تعزيز دور الهيئة الوطنية للنزاهة (INPPLC) وتفعيل قوانين حماية المبلغين عن الفساد.
إن استدامة الاستقرار الاجتماعي في المغرب تقتضي الانتقال من “إطفاء الحرائق” إلى إرساء تعاقد اجتماعي جديد، يردم هوة التفاوتات المجالية ويحرر الإدارة من قبضة الريع والفساد، ليكون النمو الاقتصادي في خدمة الإنسان لا مجرد أرقام في التقارير الرسمية .
قم بكتابة اول تعليق