كلما اقترب عيد الأضحى، تُصوّب نحونا أصابع الاتهام. يصفنا البعض بـ”الجشعين”، ويتحدث آخرون عن “لهيب الأسعار” وكأننا نحن من نشعل النار في جيوب المغاربة. لكن الحقيقة المرة، التي تواريها الأرقام الرسمية وتتجاهلها صالونات المدن، هي أن الفلاح الصغير هو الحلقة الأضعف في سلسلة من “العنف القسري” الممنهج الذي تمارسه ضدنا الطبيعة، والوسطاء، وحتى الإدارة.
أكتب لكم هذه الصرخة بمرارة أكبر، فما يجهله الكثيرون خلف شاشات هواتفهم وأسوار مدنهم، هو أننا نحن “الكسابة” نعيش في قلب زلزال حقيقي يضرب أرزاقنا منذ سبع سنوات متتالية من الجفاف الهيكلي القاسي. حين يتحدثون في الأخبار عن نمو اقتصادي بنسبة 3.8%، أتساءل بوجع: أين نصيبنا نحن من هذا النمو؟.
الواقع الصادم الذي نعيشه هو تراجع قطيعنا الوطني بنسبة تقارب 38% مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات قليلة، مما يعني أن ملايين الرؤوس من الماشية اختفت لأننا ببساطة لم نعد نقوى على إطعامها.
نحن لا نواجه مجرد “صيف حار”، بل انهياراً في البنية التحتية الفلاحية، حيث جف الغطاء النباتي المجاني وأصبحنا عبيداً للأعلاف المستوردة والمحروقات التي تلتهم الأخضر واليابس. الكساب اليوم يكد طوال العام ليبيع عِجلاً بـ 15 ألف درهم، وهو ثمن بالكاد يغطي تكاليف التسمين والنقل والرعاية البيطرية اليومية، لكن بمجرد أن يخرج الحيوان من حظيرتنا، تلتهمه “غيلان” السوق.
أكبر أنواع العنف الذي نتعرض له هو تغول شبكات المضاربين أو ما يعرف بـ “الشناقة”. هؤلاء “الطفيليون” الذين لا علاقة لهم بمهنة الفلاحة، يستغلون حاجتنا الماسة للسيولة المالية وضيق ذات اليد، فيشترون منا قطعاننا بأثمان بخسة في وقت مبكر. هؤلاء الوسطاء يضيفون هوامش ربح خيالية تتراوح بين 4500 و6000 درهم للرأس الواحد، دون أن يقدموا أي قيمة مضافة سوى احتكار العرض.
نحن نبيع بـ”الخسارة” أحياناً، والمستهلك يشتري بـ”الغلاء”، والربح الحقيقي يذهب لجيوب هؤلاء الذين يمارسون “سطواً مقنناً” على عرقنا وجيوب المواطنين.
هؤلاء “الشناقة” والمضاربون هم الداء الحقيقي، فهم فئات طفيلية لا علاقة لها بالأرض ولا بتربية الماشية، لكنهم يمتلكون سيولة مالية ضخمة تمكنهم من السطو على تعبنا. يمارسون علينا “عنفاً اقتصادياً”. بل ويزيدون الطين بلة عبر “تضليل رقمي” بنشر فيديوهات لفحول بأسعار فلكية تصل لـ 15 ألف درهم لإثارة الذعر ورفع السقف المرجعي للأثمان في ذهن المستهلك.
وحين نسمع عن دعم حكومي بـ 11 مليار درهم، نحس بالغصة، لأن هذا الدعم غالباً ما يمتصه الوسطاء أو تبتلعه تكاليف النقل والأدوية البيطرية قبل أن يلمس الفلاح الصغير أثره الحقيقي.
كفلاحين، نتساءل: أين أثر هذه المليارات؟ لقد اصطدم هذا الدعم بواقع تضخمي عالمي وجشع الوسطاء الذين امتصوا أثره قبل أن يصل إلى حظائرنا. إن ربط الدعم باشتراطات تعاقدية تضمن وصول النفع للمنتج الحقيقي والمستهلك هو الحل، بدلاً من تركه نهباً لشبكات الوساطة.
نحن نسكن في “السرعة الثانية” من المغرب. ننتج اللحوم والخضروات لنطعم المدن الكبرى التي تستحوذ ثلاث جهات منها على 58% من الثروة الوطنية.
وفي المقابل، نُعاقب بـ “عنف إداري” صامت؛ ففي مناطقنا، يرفض الأطباء والمدرسون العمل، وتغرق مراكزنا الصحية في نقص التجهيزات، بينما تذهب 91% من أموال التأمين الصحي للقطاع الخاص في المدن.
أطفالنا هم من يدفعون ثمن “الزمن الإداري المهدور” وغيابات الموظفين التي بلغت أرقاماً فلكية.
هذا المغرب الذي يصفعنا كل يوم في كرامتنا. كيف نثق في إدارة تضيع فيها أكثر من 636 ألف يوم عمل في التعليم بسبب غيابات غير مبررة، بينما يحرم أبناؤنا من حقهم في التعلم؟.
نحن نُدفع دفعاً نحو الفقر، بينما يمارس المجتمع “عنفاً رمزياً” على نفسه بجعل الأضحية طقساً للمفاخرة الطبقية، مما يجبر المواطن البسيط على الاقتراض فوق طاقته هرباً من نظرة الإقصاء، وهو ما يغذي جشع المضاربين أكثر فأكثر.
كلمة أخيرة (بطلب من الجريدة)
في الأخير أقول : إن الاستقرار الاجتماعي لا يبدأ من شاشات التلفزة، بل من رد الاعتبار للفلاح الصغير وحمايته من “الاستغلال الرأسمالي” الفج.
نحن لسنا تجار أزمات، بل حراس أمنكم الغذائي الذين يواجهون، بصدور عارية، قسوة المناخ وجشع المضاربين ونسيان الإدارة .
أنصفوا الفلاح.. لتنصفكم الأرض.
قم بكتابة اول تعليق