ماتت الضمائر في زمن العيد


بقلم: الحسين انضيف
كان العيد دائما مناسبة للرحمة والتكافل والتسامح، مناسبة يفرح فيها الفقير قبل الغني، ويشعر فيها المحتاج أن المجتمع ما زال يحتفظ بشيء من الإنسانية والضمير. لكن ما عشناه هذه السنة كان صادما ومؤلما إلى حد كبير، حتى أصبح المواطن البسيط يشعر وكأنه يعيش وسط غابة لا مكان فيها للرحمة.
بعض الناس باعوا أضاحي العيد بأثمنة خيالية، مستغلين حاجة الضعفاء والبسطاء الذين كانوا فقط يريدون إدخال الفرحة إلى بيوتهم وأطفالهم. ارتفعت الأسعار بشكل جنوني دون رحمة ولا شفقة، وكأن معاناة الناس أصبحت تجارة مربحة للبعض. والأشد ألما أننا وجدنا الكثير منهم يوم صلاة العيد في الصفوف الأولى، يرفعون أيديهم بالدعاء، بينما قلوبهم خالية من الرحمة والشفقة على عباد الله.
ولم يتوقف الأمر عند بائعي الأضاحي فقط، بل حتى بعض أصحاب نقل الأضاحي استغلوا الوضع، فضاعفوا الأسعار دون أي مراعاة لظروف الناس. ثم جاء أصحاب “الفاخر” الذين رفعوا الأسعار من عشرة دراهم إلى عشرين درهما، وكأن المواطن أصبح مجرد وسيلة لجمع المال بأي طريقة كانت.
أما بائعو الخضر، فقد كانت الكارثة أكبر. الجزر الذي كان يباع بدرهم ونصف وصل إلى خمسة عشر درهما، والبقدونس والكرافس والقصبر أصبحت أسعارها وكأنها سلع نادرة، والبطاطس وغيرها من الخضر عرفت ارتفاعا مهولا لا يصدقه عقل. كل هذا في غياب تام للمراقبة الصارمة، وفي صمت مؤلم أمام معاناة المواطن البسيط.
لقد ماتت الضمائر، ومات معها الإحساس بالفقراء، وماتت معها الرحمة التي أوصانا بها الدين والإنسانية. أصبح الكثيرون لا يفكرون إلا في الربح السريع، حتى ولو كان ذلك على حساب دموع أب أو حسرة أم أو حرمان طفل من فرحة العيد.
العيد ليس فقط صلاة وثيابا جديدة وصورا جميلة، بل هو أخلاق ورحمة وتعاون وإحساس بالناس. فما قيمة الصفوف الأولى في المساجد إذا كانت القلوب بعيدة عن الرحمة؟ وما قيمة الدعاء إذا كان الفقير ينام مهموما بسبب جشع البشر؟
إن المجتمع الذي يموت فيه الضمير، يصبح كل شيء فيه قابلا للبيع: الرحمة، والإنسانية، وحتى فرحة العيد.
رحم الله زمنا كان الناس فيه يخافون على بعضهم أكثر مما يخافون على أرباحهم.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*