رواية «اللاروب» (صادرة 2026 عن دار نوفل/هاشيت أنطوان، 320 صفحة) هي الإضافة الجديدة إلى المنجز الروائي الضخم لحسن أوريد، الذي راكم حتى الآن أكثر من عشر روايات منذ «الحديث والشجن» (1999). وهي تُعدُّ، كما أشار الكاتب نفسه في لقاء وجدة يوم 18 أبريل 2026، عملاً مختلفاً جذرياً عن سابقاتها: ليست مجرد سرد تاريخي أو سيرة شخصية، بل تجربة سردية ساخرة تُعيد صياغة مفهوم «الزمن» كإشكالية مجتمعية عميقة.
معنى العنوان: «اللاروب»… نقص أبدي أم حالة مستمرة؟
في الدارجة المغربية، «اللاروب» (أو «إلا ربع») تعبير يُطلق على النقص في المكيال: ربع كيلوغرام ناقص. دلالتها المجازية أعمق: قلة الشيء، عدم اكتماله، النقصان المزمن. يقول أوريد في إحدى منشوراته: «الكمال لله وحده». العنوان إذن ليس وصفاً لشخصية فحسب، بل تشخيصاً لمجتمع يعيش حالة «لاروب» دائمة: استقلال ناقص، نخب ملتزمة ناقصة، هوية مشتتة، زمن متوقف. هذا النقص ليس عيباً فردياً، بل بنيوياً يمتد من عصر الاستعمار إلى ما بعد الاستقلال وحتى 2018 (التاريخ الذي يبلغ فيه السرد ذروته).
الحبكة: مراقبة تتحول إلى رحلة زمنية
تدور الأحداث في المغرب قبل الاستقلال (1946-1975 بشكل أساسي)، ثم تمتد زمنياً بفضل تقنية «تداخل الأزمنة». البطل المحوري محمد بنيس، مدرس أدب عربي في ثانوية مولاي يوسف، يعمل «واشياً» (مخبراً) لدى السلطات الفرنسية. يُكلَّف بمراقبة كاباريه «سنترا» في الرباط: فضاء ثقافي-سياسي نابض يجتمع فيه مثقفون وفنانون وشعراء وفقيه وشيوعيون وإخوانيون واشتراكيون. يتفقون جميعاً على معاداة الاستعمار، لكنهم يتنوعون في التيارات الفكرية والدينية والسياسية.
ما يبدأ كعملية تجسس روتينية يتحول سريعاً إلى رحلة غرائبية: ينتقل بنيس بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الواقع والخيال، بين الرباط والدار البيضاء. يصادف زوجته سوليكا (ذات الأصول اليهودية المغربية) التي كان يعتقد أنها توفيت بعد هجرتها إلى إسرائيل، حيث تزوجت بولندياً وأنجبت طفلين… لكنها تظهر له عجوزاً «كتلة مترهلة» في زمن لاحق. هذا المشهد الذي يجمع بين الطرافة والمأساة يفتح أبواب الاغتراب والتشظي الداخلي.
الشخصيات الثماني الرئيسية في «سنترا» (علالو، علام، حمري عنيبة، كنفاوي، معاطي، سكات، الفقيه، عمر بن جلون) تمثل طيف النخب المغربية: من الماركسيين إلى الإسلاميين مروراً بالوطنيين. الرواية تُفضح تناقضاتهم: حياة نافرة، شعارات متكررة، تحولات درامية (مثل اغتيال عمر بن جلون الشيوعي عام 1975).
التيمة المركزية: تداخل الأزمنة… أو كيف يصبح الماضي حالة مستمرة
ليست «تداخل الأزمنة» لعبة فنية مجانية، بل جوهر الرواية. الشخصيات تفقد القدرة على التموقع الزمني: تتداخل الأغاني الوطنية من الأربعينيات مع شعارات ما بعد الاستقلال، ومعارك عبد القادر الحسيني مع النكسة (1967) ومعركة الكرامة ومقاومة بيروت و«أطفال الحجارة». يفسر أحد الشخصيات (الموتشو) الأمر بوضوح: «تداخل الأزمنة والأمكنة حاصل حين لا يعيش المجتمع عصره… حين يتخلف عن عصره».
هنا يلتقي أوريد مع ما ذكره في لقاء وجدة: النكبة والنكسة ليستا حدثين ماضيين، بل حالتان ممتدتان في الوجدان العربي. الساعة الحائطية التي يستقر عقربها الكبير عند التسعة (كما وصفها الكاتب) رمز للزمن المتوقف، الزمن «اللاروب» الذي لا يكتمل.
الأسلوب: سخرية حادة تخلط الجد بالهزل
يمزج أوريد ببراعة بين:
- السخرية السياسية التي تهشم خطابات الماركسيين («واماركساه، واإنجلزاه…») والدعاة والاشتراكيين.
- اللغة المغربية الحية: دارجة مُحكمة، أغانٍ شعبية، شعارات تاريخية.
- البناء الفني: 40 مشهداً مقسمة إلى أجزاء تنازلية العدد، تدرج يعكس «النقص» نفسه.
الرواية سياسية بامتياز، لكنها تبقى أدباً: سرد متين، حوارات حية، شخصيات نموذجية دون أن تفقد إنسانيتها.
دلالات الرواية في سياق أوريد وفي الواقع المغربي/العربي
«اللاروب» تُكمل مشروع أوريد الفكري-الأدبي: الارتباط بالهوية والتاريخ والحداثة. من «الموريسكي» و«ربيع قرطبة» إلى هنا، يظل السؤال: كيف نخرج من «اللاروب»؟ الجواب في الوعي والتربية العصرية القائمة على العقل والتراث (ابن رشد، ابن خلدون) كما ينصح «المهدي» بنيس المريض.
في زمن يتداخل فيه الماضي بالحاضر (من الاستعمار إلى تحديات اليوم)، تقدم الرواية قراءة جريئة لتحولات الذات والمجتمع: ذاكرة لا تُغلق، تاريخ لا ينتهي، و«لاروب» ينتظر اكتماله.
من قرأ «اللاروب» يخرج وقد شعر أنه عاش داخل «سنترا»: يضحك، يغضب، يتأمل، ويدرك أخيراً أن الزمن الذي نعيشه… قد يكون هو نفسه «اللاروب» الذي نحاول إكماله. رواية تستحق القراءة مرتين: مرة للمتعة، ومرة للفهم العميق لما يجري «هنا والآن».
قم بكتابة اول تعليق