جمال الموساوي: قلم ينحت شروخ المعنى وظلال القصيدة

قلم ينحت شروخ المعنى وظلال القصيدة

في إطلالة تلفزيونية استثنائية، استضاف برنامج “نافذة” الذي تقدمه الإعلامية اعتماد سلام على شاشة “MEDI1 TV”، الشاعر والكاتب المغربي جمال الموساوي في حوار غني احتفى بمسار إبداعي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود. شكل هذا اللقاء مناسبة لاستعادة تفاصيل البدايات الشعرية ونبش الذاكرة حول تحولات القصيدة لديه، كما فتح نوافذ على انشغالاته المهنية والثقافية، مما جعل من هذه الإطلالة منطلقاً لصياغة هذا المقال الذي يرصد ملامح تجربة قلم ينحت مساره بشفافية وقلق وجودي نبيل

في رحلة إبداعية تمتد لأزيد من ثلاثة عقود، يبرز الشاعر والكاتب المغربي جمال الموساوي كأحد الأصوات التي لم تكتفِ بنظم الكلمات، بل جعلت من القصيدة أداة لنحت المسار والتأمل في عتمات الوجود. فمنذ بداياته الأولى في مدينة الحسيمة، وصولاً إلى استقراره المهني والإبداعي، ظل الموساوي وفياً لمنطق “الظل” و”الشك”، محولاً قلقه الوجودي إلى نصوص أدبية تتأرجح بين فخامة اللغة واقتصاد العبارة,.

من عتمة “كتاب الظل” إلى ضوء التتويج

انطلقت شرارة الموساوي الشعرية من ديوانه الأول “كتاب الظل” الذي صدر عام 2001، رغم أن قصائده تعود لمنتصف التسعينيات. هذا العمل الذي لم يكن ليرى النور لولا إلحاح أسماء ثقافية وازنة مثل أحمد زيادي وحسن النجمي، شكل عتبة الانتقال من شاب يدرس الاقتصاد في الرباط مسكوناً بهواجس الحب والنضال، إلى شاعر متوج بجائزة بيت الشعر,. ومن المثير للاهتمام أن عنوان الديوان كان في الأصل “الخندق”، لكن الناقد عبد القادر الشاوي اقترح “كتاب الظل”، وهو العنوان الذي وجده الموساوي ملائماً لمزاجه وشخصيته.

التحولات الأسلوبية: من الفخامة إلى “الدوبل هايكو”

شهدت تجربة الموساوي تحولاً جذرياً في الأداء اللغوي؛ فبينما اتسمت دواوينه الأولى بافتتان واضح بفخامة اللغة واستعمال “التفعيلة”، اتجهت أعماله اللاحقة، لا سيما ديوانه الأخير “عابر في قمصان” (2024)، نحو “اقتصاد لغوي” صارم,. يتبنى الموساوي في هذا الديوان أسلوباً يسميه “الدوبل هايكو” (الهايكو المزدوج)، حيث تتكون القصيدة من ستة أسطر فقط: ثلاثة تطرح الإشكالية، وثلاثة تقدم مفتاحاً أو جواباً، مما يعكس تأثره بـ”زمن التكثيف” الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي.

القصيدة في مواجهة “الغيمة” الافتراضية

لم يكن الموساوي بمنأى عن التحولات الرقمية، فديوانه “اتعثر في الغيمة فتبكي” (2016) وُلد من رحم “فيسبوك”. استلهم الشاعر فكرة الديوان من كاريكاتير ألماني يشير إلى أن “على الإنترنت لا أحد يعرف هويتك الحقيقية”، ليعالج من خلاله قضايا العالم الافتراضي والشك المتزايد الذي تفرضه وفرة المعرفة,. يرى الموساوي أن الإنترنت، رغم كونه “طريقاً سياراً للمعلومات”، قد تحول إلى زمن متشظٍّ تضيع فيه الهويات وتزداد فيه قسوة الأسئلة,.

المثقف ومحاربة الفساد: “شروخ المعنى”

بعيداً عن القصيدة، يمارس الموساوي دوراً مجتمعياً من خلال عمله في “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة”، حيث أشرف على إصدار كتاب جماعي بعنوان “شروخ المعنى: كتابات ضد الفساد”. يهدف هذا المنجز إلى إشراك المثقفين والمبدعين في نقاش قضايا الشأن العام، ومعالجة ظاهرة الفساد من زوايا سوسيولوجية ونفسية وثقافية، مؤكداً على ضرورة استعادة المثقف لمكانته في صناعة الرأي العام,.

رسالة قلق حول اقتصاد الثقافة

في ختام بوحه الثقافي، يحمل الموساوي هماً يتجاوز حدود النص ليصل إلى “الصناعة الثقافية” في المغرب. فهو يأسف لكون الثقافة لا تزال تعيش على “الدعم” ولم تستطع بعد إنتاج دورتها الاقتصادية المستقلة. ينادي الموساوي بضرورة وجود استثمار خاص يعتني بالكتاب كتسويق وصناعة، مشيداً في الوقت ذاته بنضالات الصحفيين الثقافيين الذين يعتبرهم “مناضلين” يبقون على شعلة الثقافة متقدة.

جمال الموساوي، الشاعر الذي يرى أن القصيدة تصبح أكثر “تعباً” مع النضج، يظل يبحث في “غبار الحياة” عن وردة الكتابة، مؤمناً بأن الشاعر، حتى وهو يتحدث عن الموت، فإنه في الواقع يُمجد الحياة والجمال,.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*