انتخابات 2026 بالمغرب: هل يصوت المغاربة للتغيير أم لإعادة إنتاج “الفراقشية السياسية”؟

تشهد الساحة السياسية والاجتماعية بالمغرب، مع اقتراب استحقاقات شتنبر 2026، حالة من التوتر والاحتقان المتزايد، في ظل اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” وواقع المعيشة اليومية للمغاربة. فبدل أن تتحول الوعود الانتخابية إلى إصلاحات ملموسة تعزز العدالة الاجتماعية وتحسن القدرة الشرائية، يجد المواطن نفسه أمام موجة غلاء غير مسبوقة، وارتفاع البطالة، وتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، وهو ما يطرح من جديد سؤال المشاركة السياسية وجدوى الانتخابات في المغرب.

لقد قدمت حكومة حزب التجمع الوطني للأحرار نفسها باعتبارها حكومة الكفاءات والاستثمار والتنمية، لكنها في نظر جزء واسع من الرأي العام تحولت إلى “حكومة الباطرونا”، حيث طغت لغة المال والأعمال على القضايا الاجتماعية الحقيقية. فالمواطن البسيط لم يلمس تحسناً في الخدمات الأساسية، ولا انخفاضاً في الأسعار، بل وجد نفسه أمام تضييق اقتصادي واجتماعي متزايد، بالتوازي مع تمرير قوانين أثارت جدلاً واسعاً، وعلى رأسها قانون الإضراب، الذي اعتبرته العديد من الهيئات الحقوقية والنقابية تراجعاً عن مكتسبات تاريخية للحركة العمالية المغربية.

في المقابل، تكشف الانتخابات المغربية مرة أخرى استمرار البنيات التقليدية داخل المشهد السياسي. فالأعيان وشبكات المصالح المحلية ما زالوا يتحكمون في جزء كبير من العملية الانتخابية، مستفيدين من النفوذ الاقتصادي والعلاقات الزبونية، وهو ما يفسر إعادة إنتاج نفس النخب داخل المؤسسات المنتخبة. لذلك، فإن الحديث عن “الانتقال الديمقراطي” يبدو عند كثير من المغاربة أقرب إلى شعار سياسي منه إلى ممارسة فعلية قادرة على تغيير موازين السلطة والثروة.

المفارقة الكبرى أن المغرب يعرف تحولات اجتماعية عميقة؛ فالإحصائيات الأخيرة تشير إلى تراجع حجم الأسرة، وارتفاع نسبة الشيخوخة، واتساع بطالة الشباب، خصوصاً في صفوف حاملي الشهادات. كما أن الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة خلقت وعياً جديداً لدى فئات واسعة من الشباب، الذين أصبحوا أكثر قدرة على كشف التناقضات بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي. غير أن هذه التحولات لم تنعكس بعد على بنية النظام الحزبي، الذي يعرف تضخماً في عدد الأحزاب والنقابات دون أن يواكب ذلك تجديد حقيقي في النخب أو البرامج.

اقتصادياً، يزداد الوضع تعقيداً مع ارتفاع المديونية الخارجية وارتهان السياسات العمومية لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ما يجعل الأولوية في كثير من الأحيان للتوازنات المالية بدل العدالة الاجتماعية. وفي الوقت الذي تتوسع فيه المشاريع الكبرى والأوراش التنموية، يشعر المواطن بأن آثار هذه المشاريع لا تصل إلى حياته اليومية، سواء في التشغيل أو الصحة أو التعليم أو القدرة الشرائية.

إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: “من سيفوز في انتخابات 2026؟”، بل: هل تستطيع الانتخابات في شكلها الحالي أن تنتج تحولاً سياسياً واجتماعياً حقيقياً؟ أم أنها ستستمر في إعادة تدوير نفس النخب ونفس السياسات؟ فالمشكل لم يعد مرتبطاً فقط بالأحزاب، بل أيضاً بضعف الثقة السياسية، وبتراجع الإحساس لدى المواطن بأن صوته قادر فعلاً على التغيير.

وسط هذا الوضع، يبرز وعي اجتماعي جديد يتشكل داخل المجتمع المغربي، تقوده فئات متضررة من الغلاء والهشاشة والبطالة، وفئات شابة تستعمل وسائل التواصل الاجتماعي لكسر الاحتكار التقليدي للإعلام والسياسة. هذا الوعي قد لا يجد نفسه داخل الأحزاب التقليدية، لكنه يعبر عن نفسه في الاحتجاجات الاجتماعية، والنقاشات الرقمية، والمقاطعات الاقتصادية، وفي تنامي النقد الشعبي للسياسات العمومية.

لذلك، تبدو انتخابات شتنبر 2026 أمام اختبار حقيقي: إما أن تكون فرصة لإعادة بناء الثقة السياسية عبر إصلاحات فعلية تعطي الأولوية للكرامة والعدالة الاجتماعية، أو أن تتحول إلى محطة جديدة لتعميق الإحباط الشعبي وإعادة إنتاج نفس البنية التقليدية التي تتحكم في المشهد السياسي منذ سنوات.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*