قسم التحرير
في خطاب مفعم بالثقة والطموح، رسم صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلائه العرش، معالم مرحلة جديدة من المسار التنموي للمملكة. خطاب لم يكن مجرد جرد للمنجزات، بل شكل خارطة طريق استراتيجية تهدف إلى تحويل المغرب إلى قوة إقليمية صناعية ومستقرة، ترتكز على “السيادة” بمفهومها الشامل و”الاستقرار” كأغلى رأسمال وطني.
الاستقرار السياسي: الرأسمال الاستراتيجي في عالم متقلب
أكد جلالة الملك أن ما حققه المغرب خلال 27 سنة من قيادته لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة “توجه استراتيجي واضح ومذهب في الحكم” يقوم على المبادرة والنقد الذاتي البناء. وفي محيط إقليمي ودولي مطبوع بالاضطرابات، برز “الاستقرار السياسي والمؤسسي” كعملة نادرة وقوة جذب استراتيجية، وصفها الجلالة بأنها “العامل الأساسي في معادلة التنمية”. هذا الانسجام بين المؤسسات هو ما منح الدولة النجاعة اللازمة لمواجهة الأزمات، بدءاً من الكوارث الطبيعية وصولاً إلى التنظيم الناجح للتظاهرات الدولية الكبرى.
ثورة صناعية وطموح نحو “نادي الكبار”
انتقل الخطاب بالتحليل نحو “السيادة الصناعية”، حيث كشف الجلالة عن أرقام تعكس التحول العميق في بنية الاقتصاد المغربي:
- ريادة قارية: أصبح المغرب أول مصدر للسيارات في أفريقيا بقدرة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنوياً.
- التكنولوجيا المتقدمة: دخول المملكة “النادي المصغر” للدول المصنعة لمحركات وأنظمة هبوط الطائرات، مع التوجه نحو صناعة البطاريات الكهربائية.
- الطاقة والمستقبل: الرهان على الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة كرافعة لجذب الصناعات “خالية الكربون”.
ولم يقتصر الطموح على الصناعات المدنية، بل أعلن الجلالة عن توجه استراتيجي جديد يتمثل في إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الدفاع والأمن السيبراني، لتعزيز السيادة الدفاعية للمملكة.
السيادة الوطنية: الغذاء والدواء أولاً
في سياق دولي مطبوع بالحمائية، جعل المغرب من “الاكتفاء الاستراتيجي” أولوية قصوى. وقد أشار الخطاب إلى نجاح الصناعات الغذائية والدوائية في تغطية 80% من الحاجيات الوطنية. هذا المسار يكتمل بنمو اقتصادي قوي بلغ 4.9% في عام 2025، وتوقعات بمواصلة هذا المنحى التصاعدي في 2026، مدعوماً بمواسم فلاحية جيدة ومؤشرات سياحية تاريخية وصلت إلى 20 مليون سائح.
الدورة التنموية الجديدة: ما بعد الانتخابات التشريعية
يتطلع المغرب، وفقاً للرؤية الملكية، إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق “دورة جديدة في المسار التنموي”. هذه الدورة التي ترفع شعار “تحصين وتحسين المكاسب ومواصلة المشاريع الكبرى”، تتطلب تعبئة مالية غير مسبوقة. وفي هذا الصدد، وجه جلالته نداءً قوياً للقطاع المالي الوطني لابتكار حلول تمويلية تتجاوز الصيغ الكلاسيكية، وتسهل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة للتمويل، بما يضمن تعبئة الادخار الوطني لخدمة الدينامية التنموية.
خاتمة: مغرب “الفاعل الدولي الموثوق”
خلص الخطاب إلى أن هذه الإنجازات جعلت من المغرب “فاعلاً دولياً موثوقاً ومحترماً ومسموعاً”، قادراً على بناء شراكات متوازنة وندية. إنها دعوة ملكية لكل المغاربة للتحلي بروح الثقة والتفاؤل، ومواجهة خطابات اليأس، لمواصلة بناء “دولة الأمة” العريقة التي تجمع بين التقاليد الراسخة والتطلع الطموح نحو المستقبل.
قم بكتابة اول تعليق