حين يعود ابن الفحم إلى مدرسته… مبادرة تعيد فتح ذاكرة جرادة.

بقلم رشيد اخراز جرادة

مبادرة إنسانية صغيرة في شكلها، كبيرة في معناها، اختار من خلالها السيد عبد الكريم حامدي، العامل السابق لعمالة المضيق، أن يعود إلى المكان الذي بدأت منه حكايته، مدرسة الأزهار بحاسي بلال، حاملاً محافظ مدرسية لفائدة تلاميذ المؤسسة التي احتضنته يوماً وهو طفل.

لم تكن المحفظة التي وضعها حامدي بين يدي تلميذ اليوم مجرد أداة مدرسية، بل كانت أشبه برسالة تُسلَّم من جيل إلى جيل:

ليقول من هنا بدأت الحكاية، ومن هنا يمكن أن تبدأ حكايات أخرى.

في هذه المدرسة الصغيرة، كانت أولى خطوات عبد الكريم حامدي نحو التميز الدراسي، ومنها شق طريقه بثبات حتى ولج مراتب عليا في سلم الدولة. واليوم، بعد سنوات من المسؤولية والعمل، يعود إلى مدرسته الأولى لا بصفة مسؤول، وإنما بصفة ابن جرادة الذي لم تنسه المناصب مسقط رأسه ولا المكان الذي احتضن أحلام طفولته.

حين يعود ابن الفحم إلى مدرسته… مبادرة تعيد فتح ذاكرة جرادة.插图
حين يعود ابن الفحم إلى مدرسته… مبادرة تعيد فتح ذاكرة جرادة.插图1

عبد الكريم حامدي واحد من الكفاءات التي تفتخر بها الجوهرة السوداء، ومن أبناء المدينة الذين ظلوا مرتبطين بمسقط رأسهم. ومبادرته تستحق أن تتحول من فعل تضامني فردي إلى ثقافة مجتمعية يشارك فيها أبناء جرادة الذين صنعوا لأنفسهم مكانة داخل المغرب وخارجه.

فجرادة تحتاج إلى أن يعود أبناؤها إليها بأفكارهم وتجاربهم وإمكاناتهم، وأن يضع كل واحد منهم لبنة في بناء مستقبل أطفالها.

والأجمل أن هذه المبادرة أعادت فتح ملف أعمق: ذاكرة التآلف الاجتماعي التي كانت تميز جرادة خلال سنوات المنجم. مدينة جمعت عائلات ومكونات اجتماعية وثقافية متعددة، التقت في الأحياء والمدارس والمقاهي والمناجم، وتقاسمت الخبز الأسود والفرح والحزن، قبل أن يترك إغلاق المنجم فراغاً لم يكن اقتصادياً فقط، بل مسّ أيضاً جزءاً من النسيج الاجتماعي الذي ميّز المدينة.

لقد كان المنجم، رغم قسوته، مدرسة أخرى للتعايش والتضامن؛ جمع أبناء جرادة حول العمل والخبز والحي والمدرسة، وجعل الاختلاف جزءاً من قوة المدينة لا سبباً لتفككها.

مبادرة عبد الكريم حامدي تقول للكفاءات الجرادية: عودوا إلى مدارسكم الأولى، إلى أحيائكم، إلى أبناء مدينتكم. فربما تكون محفظة مدرسية من يد رجل ناجح سبباً في إشعال شرارة حلم طفل، كما كانت مدرسة الأزهار يوماً الشرارة الأولى في مسار رجل عاد إليها بعد سنوات.

فأقسى ما يمكن أن يحدث لمدينة أن تُخرج أبناءً كباراً، ثم تفقدهم عندما تكبر. وأجمل ما يمكن أن يحدث لها أن يعود أبناؤها الكبار ليصنعوا فيها كباراً آخرين.

حين يعود ابن الفحم إلى مدرسته… مبادرة تعيد فتح ذاكرة جرادة.插图2

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*