11 سبتمبر بعد 25 سنة : الدرج الذي لم يكن ينبغي أن يبقى

11 سبتمبر بعد 25 سنة : الدرج الذي لم يكن ينبغي أن يبقى插图

أنا لم أكن في البرج الشمالي في الحادي عشر من سبتمبر 2001. ولست هناك اليوم، في 2026، بين الركام المتخيَّل والغبار الذي صار تاريخًا. أنا صحفي اطلعت على القصة في ذكرى مرور خمس وعشرين سنة على الحادث، ووجدت أن الأرقام لا تكتفي بنفسها. الأسماء تلحّ. والدرج يلحّ أكثر.

السلم 6، صنع صيني، غادر الحي الصيني ذلك الصباح وهو ما يزال يملك اسمه: فخر الحي الصيني.

النقيب جاي جوناس وخمسة رجال: سال داغوستينو، مات كوموروفسكي، مايك ملدروم، بيل بتلر، تومي فالكو. العتاد على الظهور. صعدوا من الدرج B. بلغوا الطابق السابع والعشرين حين انهار البرج الجنوبي. جاء الأمر بلا مواربة: اخرجوا.

كانوا يهبطون لينجوا حين ظهرت هي. جوزفين هاريس. تسعة وخمسون عامًا. محاسبة في هيئة الميناء، الطابق الثالث والسبعون. أرملة. ساق لا تعينها، وثلاث وخمسون طبقة سلّم قطعتها قبل أن تتوقف عند حدود العشرين. لم تعد قادرة على خطوة.

نظر تومي فالكو إلى قائده، والسؤال أثقل من الدخان:

«كابتن، ماذا نفعل بها؟»

كان الوقت يركض. من خلفهم ناس يتسللون ليعبروا. أخذوها رغم ذلك. خطوة. القدمان معًا. خطوة. القدمان معًا. في الطابق الرابع انهارت ساقاها. قالت :”اتركوني“. هذا ما يُقال حين يفهم الجسد أنه صار عبئًا.

لم يتركوها.

مضى جوناس يبحث عن كرسي. لم يبقَ بينه وبين باب الدرج سوى خطوات حين بدأ البرج الشمالي يسقط. ثلاث عشرة ثانية. قال لاحقًا إن المبنى تقشّر من حولهم كقشرة موزة. فوق ذلك المقطع لم ينجُ أحد.

تحته، في الردهة، لم ينجُ تقريبًا أحد. بقوا في القطعة الوحيدة التي صمدت: من الرابع إلى الأول. انظر الصورة.

أربعة عشر شخصًا في ذلك الجيب الضيق. الستة من السلم 6. جوزفين. رئيس كتيبة. ضابط كلاب من هيئة الميناء لم يعد كلبه.

بعدها قال جوناس ما يعيد ترتيب المعنى كلّه: لو أسرعت لكانوا في الردهة. لو تركوها لكانوا أسفل، أو خارجًا، أو في عداد من لم يعد.

سمّوها ملاكهم الحارس. لا تجميلًا. وصفًا. البطء أنقذهم. هي أنقذتهم من غير أن تقصد، أو ربما وهي تقصد البقاء على قيد الحياة خطوة واحدة إضافية.

ماتت جوزفين سنة 2011 عن تسعة وستين عامًا. حمل نعشها رجال السلم 6. رفعوها مرة أخيرة، كأن الذاكرة تعيد المشهد وتغلقه في الوقت نفسه.

أكتب هذا بعد ربع قرن، لا بوصفي شاهدًا، بل بوصفي من وصلته الحكاية متأخرة وما زالت تمسكه. في مثل هذه الذكرى تكثر الجمل الكبيرة عن البطولة. هذه القصة أصغر وأقسى: ستة رجال رفضوا أن يمرّوا، وامرأة لم تعد تملك ساقيها، ودرج لم يكن له أن يبقى… فبقي الكل.

خطوة. القدمان معًا.
هذا ما حدث.
وهذا، بعد خمس وعشرين سنة، ما يستحق أن يُروى من غير ادعاء أنني كنت هناك.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*