في عمق الشرق المغربي، حيث تختلط رائحة الفحم بالعرق والأمل، ولد عبد الكريم حامدي في منطقة قنفودة، ثم ترعرع بين أحياء عمال المناجم في حاسي بلال وجرادة. هناك، حيث كانت صافرات الإنذار تدوي كل صباح، وحيث كان غبار الفحم يلون وجوه الرجال والأطفال على حد سواء، بدأت رحلة طفل لم يكن يملك سوى حلم يتجاوز جدران المنجم.
اليوم، وبعد عقود من الكفاح، يقدم لنا هذا الطفل الذي أصبح باشا مدينة تازة السابق وعامل عمالة، سيرته الذاتية في كتابه «ابن الفحم: من ابن عامل منجم إلى عامل عمالة»، الصادر حديثًا عن دار الخيام للنشر والتوزيع.
ليس الكتاب مجرد سرد زمني للمناصب، بل هو «سيرة ذاكرة» كما يصفها المؤلف نفسه. يأخذنا حامدي من عتمة المناجم إلى رحاب الإدارة الترابية، ليس ليتباهى بما وصل إليه، بل ليوثق كيف تحولت قسوة البيئة إلى وقود للإرادة، وكيف بقي الإنسان، مهما ارتفع، ابن بيئته الأصلية ووريث ذاكرتها التي تأبى النسيان.
أدب المناجم… شهادة حية على الطبقات المهمشة
ينتمي هذا العمل إلى ما يمكن تسميته بـ«أدب المناجم»، ذلك الجنس الأدبي الذي يجعل من الفحم والغبار والصافرات مادة سردية، ليس فقط لوصف المعاناة، بل لتشريح البنية الاجتماعية التي تنتجها.
في جرادة وحاسي بلال، كما في مناجم أخرى عبر العالم، لم يكن العمل في المنجم مجرد مهنة، بل كان مصيرًا طبقيًا ينتقل من جيل إلى جيل. الكتاب يقدم شهادة نادرة من داخل هذا العالم: طفولة مليئة بالقسوة، لكنها أيضًا مليئة بدفء العلاقات الإنسانية، وأحلام صغيرة تكبر رغم الظلام. هنا تكمن قوة السيرة الذاتية؛ فهي لا تكتفي بالوصف، بل تحول التجربة الشخصية إلى وثيقة اجتماعية.
لماذا نحتاج إلى مثل هذه السير؟
من منظور سوسيولوجي، تكتسب كتابة هذه السير الذاتية من قبل مسؤولين بدأوا حياتهم في أوساط بسيطة أهمية بالغة، لعدة أسباب:
أولاً، توثيق الحراك الاجتماعي. في مجتمعات تعاني من تفاوت طبقي كبير، مثل المغرب، تظل قصص الصعود من الطبقة العاملة إلى النخبة الإدارية نادرة التوثيق. هذه السير تكشف الآليات الحقيقية للحراك الاجتماعي: دور التعليم، الإرادة الفردية، الدعم الأسري، والفرص التي توفرها الدولة أحيانًا. إنها دليل ملموس على أن «السلم الاجتماعي» ليس وهمًا، بل واقع يمكن تحقيقه رغم العقبات البنيوية.
ثانيًا، إضفاء الطابع الإنساني على المؤسسات. عندما يروي مسؤول إداري كبير قصة نشأته في أحياء المناجم، فإنه يقرب المؤسسة من المواطن. يصبح «العامل» أو «الباشا» إنسانًا له جذور، لا مجرد لقب. هذا يساهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في المناطق المهمشة تاريخيًا مثل مناطق المناجم التي عرفت نضالات عمالية طويلة.
ثالثًا، حفظ الذاكرة الجماعية. المناجم ليست مجرد أماكن عمل، بل فضاءات اجتماعية وثقافية تحمل قصصًا عن التضامن، المقاومة، والمعاناة. عندما يكتب ابن المنجم سيرته، فإنه ينقذ هذه الذاكرة من النسيان، ويقدمها للأجيال الجديدة كتراث حي. إنها مساهمة في كتابة «التاريخ من الأسفل»، كما يقول المؤرخون.
رابعًا، القدوة والإلهام. في زمن يسيطر فيه خطاب «النجاح الفردي» السريع، تأتي هذه السير لتذكرنا بأن الصعود الحقيقي يتطلب سنوات من المثابرة، والتضحية، والوفاء للجذور. إنها رسالة لشباب الأحياء الشعبية والمناطق القروية: «يمكنك أن تتجاوز ظروفك دون أن تتنكر لها».

كتاب «ابن الفحم» ليس مجرد قراءة ممتعة، بل هو وثيقة سوسيولوجية وأدبية في آن واحد. يجمع بين دفء السرد الشخصي وعمق التحليل الاجتماعي، ويقدم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه السير الذاتية المغربية: صادقة، متواضعة، وملهمة.
لذا، أدعو القراء، خاصة المهتمين بأدب المناجم، والقضايا الاجتماعية، والحراك الطبقي، إلى اقتناء هذا الكتاب. يمكن الحصول عليه من المكتبات أو عبر دار الخيام للنشر والتوزيع، كما أن المؤلف يواصل تنظيم حفلات توقيع في مختلف المدن.
في زمن تتكاثر فيه السير الذاتية الاستعراضية، يأتي «ابن الفحم» ليذكرنا بأن أجمل القصص هي تلك التي تبدأ من الغبار وتنتهي بالنور، دون أن تفقد أبدًا ذاكرتها الأولى.
اقرأوه… ففيه جزء من تاريخنا الجماعي.
قم بكتابة اول تعليق