سيارة أحفير… أو كيف تتحول «الخدمة العمومية» إلى عشيقة ليلية لا تطلب أوفر تايم

في بلدة أحفير الهادئة، حيث يبدو الزمن أحياناً وكأنه توقف عند آخر حافلة ساتيام مرت من هناك، وبعيدا الشارع الرئيسي المؤدي للسعيدية تو بركان، تدور قصة صغيرة لكنها فاحشة الأناقة في عبثها.

ليست قصة فساد ضخم يملأ الصفحات الأولى، ولا فضيحة تنتهي باستقالات مدوية. إنها قصة أكثر رقة وأكثر سواداً في آنٍ معاً: سيارة تابعة للجماعة المحلية، يفترض أن تكون في خدمة المواطن، لكنها اكتشفت أن المواطن ينام مبكراً، وأن الليل طويل، وأن «المصلحة» مفهوم مرن جداً إذا أُحسن تأويله.

القصة مستلهمة من منشور ساخر على صفحة «النبض الأحفيري»، ذلك الصوت المحلي الذي يلتقط التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلى عادة لا يلاحظها أحد.

السيارة ليست إسعافاً، وليست للنقل المدرسي، وليست حتى لتفقد الطرقات في فصل الشتاء. هي «سيارة المصلحة». لكن المصلحة هنا تبدأ بعد أن تنتهي المصلحة الرسمية.

تخرج من المرآب كمن يخرج من قفص، وتبدأ يومها الحقيقي حين يغلق الموظفون أبوابهم ويذهبون إلى بيوتهم. في الصباح الباكر، بين الثامنة والعاشرة، تجدها هادئة أمام منزل نائب، كأنها حارسة وفاء أو عشيقة محترمة تنتظر إشارة الانطلاق. ثم، مع الرابعة عصراً وحتى منتصف الليل، تنطلق في مهمة مقدسة: «تجيب الخبز».

ليس أي خبز، بل خبز الذي يبدو أنه لا يُخبز إلا ليلاً، وفي أماكن بعيدة، وبأسعار لا يعرفها إلا من يملك مفاتيح السيارة.

في عطلة نهاية الأسبوع، تتحول السيارة إلى متطوعة وطنية. مرة في السعيدية، مرة في قبوياوة، مرة في عيشون، مرة في لمريس. رحلات قصيرة لا تُسجَّل في أي دفتر دوام، لكنها تُنجَز بروح المسؤولية .

أما في الأعياد الرسمية – العيد الصغير، العيد الكبير، عاشوراء – فتبلغ السيارة ذروة عطائها. تدور في السوق أكثر من الباعة أنفسهم، كأنها تراقب أسعار الخضروات بتفانٍ إداري نادر، أو كأنها تخشى أن يرتفع ثمن الطماطم دون علم المنتخبين.

وللسيارة مهام نبيلة أخرى، مرتبة بعناية تشبه جدول أعمال وزير مشغول: مهمة استطلاعية لمعرفة إن كانت الخضرة رخيصة أم لا تزال غالية. مهمة اجتماعية لتوصيل فلان إلى تدريب كرة القدم. مهمة ثقافية لحضور عرس ابنة الجار… خاصة إذا كان الجار من المعارضة.

ومهمة سرية للغاية: التجول ليلاً في الشوارع «للاطمئنان على أمن المواطن»، بينما المواطن نفسه غارق في نوم عميق لا يعكره إلا صوت محرك السيارة المعلومة.

المميز في القصة أن السيارة لا تطلب أجراً إضافياً، ولا تشتكي من الإرهاق، ولا ترفع دعوى قضائية بسبب ساعات العمل الزائدة. هي الآلة المثالية في منظومة محلية تعرف كيف تحول الممتلك العام إلى امتداد شخصي دون ضجيج كبير.

لا أحد يسرق الخزينة علناً؛ الجميع فقط «يستعير» الزمن والمكان والطاقة.

والنتيجة صورة كاريكاتورية أنيقة: موظفون ينهون دوامهم في الموعد، وسيارة تواصل العمل بعدهم كأنها الضمير الوحيد المستيقظ في البلدة.

في عالم آخر غير جهة الشرق البعيدية عن المركز، كانت هذه القصة ستُروى وسط حفلات أو فضائح ، حيث يتداخل المال بالاحتفال والسلطة بالغرور. أما في أحفير، فالغرور أصغر حجماً وأكثر محلية، لكنه لا يقل سواداً.

السيارة لا تتفاخر، ولا تنشر صورها على إنستغرام، ولا تطلب لقب «أفضل سيارة خدمة عمومية». هي فقط تؤدي دورها بهدوء، بينما ينام المواطن مطمئناً… أو هكذا يُفترض.

ولعل الأطرف ما في الأمر، وأقساه، أن الجميع يعرف. يعرف الجيران، ويعرف الباعة، ويعرف حتى أولئك الذين ينتظرون سيارة إسعاف حقيقية في ليلة باردة، تعرف سيارات الامن التي تتقاطع مهعا ليلا في الشوارع والازقة فقط لكل منهما زبنائه. لكن المعرفة هنا لا تتحول إلى غضب، بل إلى ابتسامة مريرة تُقال بها الحكاية في المقاهي ثم تُنسى حتى المنشور على «النبض الأحفيري» ختم بالقول “وبه وجب الإعلام… والضحك شوية باش ما نبكيوش” .

هكذا تُدار بعض المصالح في الزوايا الهادئة من الخريطة: ليس بالفضائح الكبرى، بل بالسيارات التي تعمل 24 ساعة على 24… دون أن تطالب يوماً بأوفر تايم.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

لمن يريد معرفة معطيات عن السيارة يراجع التدوينة في صفحة «النبض الأحفيري»، فقد نشر صورتها واضحة معالمها… اما نحن ولدواعي مهنية أخفينا مفاتنها….

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*