فجيج – 27 يوليوز 2026
في زيارة لم تخلُ من دلالات سياسية واجتماعية عميقة، حلَّ عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بمدينة فجيج الحدودية، ليجدد التواصل مع ساكنة منطقة وصفها بأنها “بعيدة جغرافياً لكنها حاضرة بقوة في وجدان المغاربة”. اللقاء الذي غصت به القاعة لم يكن مجرد حملة انتخابية سابقة لأوانها، بل تحول إلى محاكمة سياسية وقيمية للمرحلة الراهنة، طرح فيها ابن كيران مفاهيم “المعقول”، و”الأمانة”، وخطورة “تغول المال في السياسة”.
فجيج: رمزية الأصالة في مواجهة التهميش
استهل ابن كيران كلمته بالإشادة بهوية مدينة فجيج، معتبراً إياها واحدة من المدن القليلة التي لا تزال وفية لأصالتها ولباسها التقليدي “الحايك”، وهو ما رآه دليلاً على التمسك بالقيم والأخلاق. وأكد أن ما يبني الأوطان ليس فقط البنية التحتية أو المال، بل “قيمة الإنسان ومكانته”، مشدداً على أن سمعة أهل فجيج تسبقهم بـ”المعقول” والتعاون.
وعن سبب الزيارة، أوضح ابن كيران أنها تأتي من باب “رد الصواب” لساكنة المناطق النائية التي طالما تكبدت عناء السفر للمشاركة في المحطات الوطنية للحزب، معتبراً أن من حق هذه المناطق على السياسيين أن يزوروها في بيوتها ليعاينوا أحوالها، لا أن يكتفوا بالعواصم الكبرى.
السياسة: قدر لا مفر منه
في تشخيصه للواقع السياسي، حذر ابن كيران من موجة “كراهية السياسة” والنفور من الأحزاب. وخاطب الحاضرين بلهجة صريحة: “لا أحد يمكنه الإفلات من السياسة”؛ فهي التي تتدخل في التعليم، وتحدد أسعار العيش، وتدبر وسائل النقل، بل وتدخل البيوت عبر التلفزيون لتقرر ما يتعلمه الأبناء.
واعتبر أن العزوف عن المشاركة السياسية هو تخلٍّ عن الحق في حماية المصالح الشخصية والأسرية والوطنية. كما شدد على أن بيع الأصوات في الانتخابات “جريمة”، لأن المواطن بذلك يبيع حقه في الحكم ويمنح القرار لإنسان قد لا تهمه مصلحة المستشفى أو المدرسة.
سهام النقد تجاه حكومة “تضارب المصالح”
لم يفوت ابن كيران الفرصة دون توجيه انتقادات لاذعة للحكومة الحالية ورئيسها عزيز أخنوش. ركزت الانتقادات بشكل أساسي على ما وصفه بـ”تضارب المصالح“، مستشهداً بصفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، حيث انتقد دخول شركة رئيس الحكومة في الصفقة، ثم طلب زيادة قدرها 260 مليار سنتيم من صندوق الاستثمار.
كما انتقد ابن كيران بشدة استبدال نظام المساعدة الطبية “راميد” (RAMED) بنظام التغطية الاجتماعية الحالي، معتبراً أن الحكومة أخطأت بربط المساعدات بـ”المؤشر” الذي قد يحرم أسراً فقيرة من الدعم لمجرد امتلاك “هاتف أو دراجة“. وكشف في سياق حديثه عن إصلاح صندوق المقاصة، أن الحكومة الحالية تستفيد اليوم من هوامش مالية وفرها الإصلاح الذي قامت به حكومته السابقة، رغم استمرارها في انتقاده.
السياسة خدمة لا ثروة
في خطاب قيمي لافت، قارن ابن كيران بين كدح الفلاحين في فجيج الذين “تتشقق أيديهم من العمل الحلال” وبين من يسعى للثراء عبر العمل السياسي. وأكد أن “السياسة ليست مكاناً لجمع الثروة”، بل هي مكان لخدمة الشعب والدولة، ومن أراد الغنى فعليه بالقطاع الخاص أو الفلاحة.
وانتقد تفشي ظاهرة “الريع” واستغلال النفوذ للحصول على صفقات أو دعم غير مستحق، معتبراً أن الكفاءة لا قيمة لها إذا اقترنت بـ”عدم النزاهة”.
الملكية: صمام أمان الاستقرار
ختم ابن كيران لقاءه بالتأكيد على دور النظام الملكي كجامع للأمة وصمام أمان ضد التشتت والحروب الأهلية. وأوضح أن البيعة والولاء للعرش هما ما يمنحان الملك القدرة على التفكير في مصلحة البلاد على المدى البعيد بعيداً عن ضغوط الحسابات الانتخابية الضيقة.
ومع تأكيده على الولاء، شدد على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم في تدبير الشأن العام، داعياً سكان فجيج إلى إحسان اختيار من ينوب عنهم بصدق وأمانة في المحطات الانتخابية القادمة، بعيداً عن إغراءات المال السياسي.
خلاصة القول، بدا ابن كيران في فجيج وكأنه يستنهض “الكتلة الناخبة الأخلاقية“، محذراً من أن مستقبل المغرب رهين بالقدرة على إبعاد “تجار السياسة” وإعادة الاعتبار لرجال “المعقول” الذين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
قم بكتابة اول تعليق