عبدالعالي الجابري
المستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة – 12 يونيو 2026
كان الوقت يقترب من الحادية عشرة صباحًا، عندما ولجت المستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة ولاحظت ان الايقاع مشتد الى حد ما. جلست في ساحته المفتوحة، حيث لا أشجار تخفف من حدة الضوء، بل كان الظل يسقط بشكل حاد من ارتفاع المباني البيضاء والرمادية، يرسم مناطق باردة نسبيًا على الأرض الإسمنتية، كأنها جزر صغيرة من الراحة المؤقتة وسط مساحة مكشوفة.
وما هي الا لحظات حتى تكون لدي انطباع ان المكان وكأنه يعيش حالة من الـ«debordement» الهادئ لكنه مستمر، ينعكس على وجوه كل من يتحرك فيه.
في كل زاوية، كان هناك شخص يسير بخطى سريعة، كأنه يهرب من طارئ غير مرئي. أطباء يحملون ملفاتهم كأنها أثقال صغيرة، يتحدثون في هواتفهم بصوت خافت، وكل مكالمة تحمل قرارًا أو خبرًا لا يحتمل التأجيل. كأنهم يسابقون الوقت أو يتفادون استدعاءً طارئًا. وجوههم تحمل تعبًا متراكمًا، ليس تعبًا صاخبًا، بل ذلك الإرهاق الذي يظهر في طريقة النظر إلى الأرض أو في سرعة المشي التي لا تسمح بالتوقف.
ممرضون وممرضات يمسكون بأوراق الفحوصات، يطوونها ويفتحونها بسرعة، وكأن كل ورقة تمثل مهمة جديدة لا تحتمل التأجيل، وجوههم هي الاخرى تحمل ذلك التعب الذي لا يُقال، تعبًا متراكمًا لا يظهر في الصراخ، بل في الصمت الذي يسبق الابتسامة المهنية.
أما العمال والمساعدون، فكانوا يتحركون بآلياتهم وأدواتهم كأنهم جزء من آلة كبيرة لا تتوقف، خطواتهم محسوبة، وأعينهم تبحث دائمًا عن الخطوة التالية.
كان الإرهاق حاضرًا بقوة، لكنه ليس إرهاقًا صاخبًا. كان هادئًا، متجذرًا في ملامح الوجوه، في طريقة إمساك الهاتف، في سرعة المشي التي لا تترك مجالًا للتوقف. حتى المواطنون الذين يحملون أوراقهم ورُشتاتهم، كانوا يمشون وكأنهم يخشون أن يُستدعوا في أي لحظة إلى داخل المبنى، حيث ينتظرهم واقع أثقل.
لكن بين هذا المدّ المتواصل من الحركة والضغط، كانت هناك جزر صغيرة من الدفء. كنت أرصد ثنائيات صغيرة تظهر فجأة وسط الزحام: شاب وشابة، سواء كانا طبيبين متمرنين أو ممرضين أو قريبين لمريض. يقفان للحظات قصيرة، يتبادلان نظرة، أو كلمة هامسة، أو حتى ابتسامة خفيفة. في تلك اللحظات، يبدو الزمن وكأنه يبطئ خطاه. رغم التعب الذي يحيط بهما، ورغم الألم الذي جاء بهما إلى هذا المكان، كان هناك شيء يشبه الراحة الصغيرة، كأن اللقاء بينهما يمنحهما لحظة استراحة من ثقل المكان. كانت تلك الابتسامات الهادئة، والنظرات التي تطول لثوانٍ إضافية، تبدو وكأنها مقاومة صامتة للإرهاق العام. وكأن اللقاء بينهما يمنحهما استراحة صغيرة من ثقل الجو.
في فناء المستشفى هذا، حيث الظلال تأتي من الحجر لا من الطبيعة، يختلط كل شيء: الاستعجال بالإنسانية، والتعب بالرغبة في التواصل، والألم بإمكانية الراحة.
ليست مشاهد كبيرة أو درامية، بل تفاصيل يومية صغيرة تتكرر باستمرار، تحكي عن أناس يواصلون يومهم رغم الضغط، ويجدون، حتى في أبسط اللحظات، فرصة لاستعادة شيء من الدفء الإنساني.
هكذا كان الجو، او هكذا بدى لي، في ذلك الصباح: مزيج من السرعة والصمت، من الإرهاق والدفء العابر. مشهد عادي في مكان غير عادي، يروي قصة يومية لا تُكتب غالبًا في التقارير الطبية، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة من يجلس ويراقب.
تحياتي
قم بكتابة اول تعليق