سجلت امتحانات البكالوريا المغربية لعام 2026 ارتفاعاً قياسياً في حالات الغش المضبوطة بنسبة تجاوزت 160% مقارنة بالدورة السابقة. يعزى هذا التزايد إلى تطور آليات المراقبة الرقمية، كما يكشف عن تحول الظاهرة من سلوكيات فردية إلى شبكات منظمة تستغل التكنولوجيا لبيع الأجوبة، مما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ومصداقية الشواهد الوطنية.
تستدعي الوضعية الراهنة مراجعة شاملة للمنظومة الرقابية والتربوية لمواجهة الجريمة الإلكترونية المنظمة في الوسط المدرسي. ويظل الرهان الحقيقي في معالجة الجذور الثقافية والأخلاقية للغش، وتكثيف التحقيقات الأمنية لتجفيف منابع هذه الشبكات، بما يضمن صون قيمة المدرسة العمومية وتحقيق العدالة بين كافة المترشحين في الاستحقاقات المقبلة.
الرباط – 8 يونيو 2026
لم تعد حالات الغش في الامتحانات الإشهادية مجرد محاولات فردية داخل قاعات الامتحان، بل أصبحت ظاهرة منظمة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات التواصل الاجتماعي، تهدد مبدأ تكافؤ الفرص ومصداقية الشهادات الوطنية.
هذا ما أكدته الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، التي أعلنت عن ضبط 4929 حالة غش خلال الامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى بكالوريا (دورة يونيو 2026)، مسجلة ارتفاعاً صادماً بلغ 167% مقارنة بدورة 2025.
وأرجعت الوزارة هذا الارتفاع إلى تعزيز منظومة المراقبة الإلكترونية وتفعيل أجهزة تقنية متطورة لرصد الوسائل الإلكترونية، بالإضافة إلى تعبئة مكثفة للموارد البشرية. غير أن هذه الأرقام – رغم أهميتها – لا تعكس سوى الجزء المرئي من الظاهرة.
شبكات واتساب تبيع الأجوبة.. والغش أصبح «تجارة»
كشفت تحقيقات صحفية عن مجموعات واتساب تضم أكثر من 1020 عضواً، تداولت فيها محتويات الاختبارات خلال الفترات الصباحية والمسائية (بما في ذلك اختبار اللغة الإنجليزية واختبارات أيام الجمعة والسبت). وتوجد محادثات ووثائق رقمية تظهر عرض خدمات «الحصول على الأجوبة» مقابل مبالغ تصل إلى 300 درهم للمادة الواحدة.
هذه المعطيات أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول «الهفوات الرقمية» ومدى قدرة المنظومة على مواجهة الجريمة الإلكترونية المنظمة.
مقارنة مع السنوات الخمس الأخيرة: تراجع ثم قفزة حادة
لفهم تطور الظاهرة، يكفي العودة إلى الإحصائيات الرسمية للوزارة في السنوات السابقة (الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا):
- 2025: 2769 حالة غش → تراجع بنسبة 12% مقارنة بـ2024.
- 2024: حوالي 3147 حالة (تقدير بناءً على نسبة التراجع).
- 2023: تراجع ملحوظ في الحالات المضبوطة بفضل الإجراءات التنظيمية والتحسيسية.
- 2022: كانت الحالات أعلى نسبياً قبل تعميم بعض التقنيات الرقمية.
الخلاصة الواضحة:
شهدت الظاهرة تراجعاً تدريجياً بين 2021 و2025 بفضل الإجراءات الإدارية والأمنية والتحسيسية. لكن دورة 2026 شهدت قفزة نوعية (167%) رغم (أو بسبب) تحسن آليات الكشف. هذا يعني أن الغش لم ينخفض فعلياً، بل تحول وتطور: من الغش التقليدي (ورقة أو ملاحظة) إلى الغش الرقمي المنظم عبر تطبيقات التراسل الفوري وشبكات تبيع الأجوبة.
تداعيات على تكافؤ الفرص وقيم المدرسة
روبورتاج القناة الثانية (2M) سلط الضوء على استياء أولياء الأمور، الذين اعتبروا أن الغش الإلكتروني يمس بحقوق التلاميذ المجتهدين الذين يعتمدون على المجهود الشخصي طوال السنة. وأكدت شهادات الأسر أن الظاهرة تهدد مصداقية الشهادات الوطنية وقيم الاستحقاق والعدالة.
خلاصات حول تطور الظاهرة
- التحول الرقمي: الغش انتقل من «سلوك فردي» إلى «شبكات منظمة» تستغل الذكاء الاصطناعي وتطبيقات التواصل.
- تحسن الكشف ≠ تراجع الغش: الأرقام المرتفعة في 2026 تعكس أكثر نجاعة الرصد، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن انتشار أوسع للظاهرة خارج مراكز الامتحان.
- الرهان الحقيقي: تجفيف المنابع العميقة (ضعف التحسيس، ضغط النجاح، ضعف الثقافة الأخلاقية) وليس فقط زيادة أجهزة الكشف.
- مسؤولية جماعية: الدورة الاستدراكية على الأبواب، والرأي العام ينتظر تحقيقات أمنية معمقة في الشبكات الرقمية لضمان نزاهة الامتحانات المقبلة.
معركة محاربة الغش ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل هي معركة وجودية للدفاع عن مصداقية المدرسة المغربية ومستقبل أجيال تعتمد على الاستحقاق الحقيقي. فحين ينجح المجتهد بعرق جبينه وينجح آخر بـ«300 درهم» على واتساب، فإن الخاسر الأكبر هو المنظومة التعليمية برمتها والمجتمع المغربي.
الأنظار الآن موجهة إلى الجهات المختصة لفتح تحقيقات جذرية، قبل أن يتحول الغش من ظاهرة إلى «ثقافة» تُقوض كل جهود الإصلاح.
قم بكتابة اول تعليق