بقلم: مصطفى صغيري – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
“ليس أعظم ما يحققه الإنسان أن ينجو منمحنه،
بل أن يحوّلها إلى معنى يورثه لمن يأتي بعده.”
في حياة الإنسان لحظات لا تُقاس بالسنوات، بل بما تحمله من معنى، لحظات يكتشف فيها المرء أن العمر لم يكن مجرد أرقام تتراكم، بل رحلة طويلة من الحب والتعب والأمل والخوف والانتظار، وأن ما يبقى في نهاية المطاف ليس ما جمعه من أشياء، بل ما تركه من أثر في قلوب من أحبهم.
واليوم، وأنا أرى ابني يعبر عتبة الثامنة عشرة من عمره، لا أشعر فقط أن ابناً كبر أمام عيني، بل أشعر أن جيلاً كاملاً يقف على أبواب المستقبل، جيل وُلد في عالم مختلف، وتربى في زمن مختلف، ويحمل على كتفيه تحديات لم تعرفها الأجيال السابقة.
إنني أكتب إلى ابني، لكنني في الحقيقة أكتب إلى كل أبناء جيلZ .
أكتب إلى جيل وُلد في زمن السرعة، حيث تختصر المسافات بضغطة زر، وتصل المعلومة في لحظة، وأصبح العالم كله يسكن شاشة صغيرة يحملها شاب لم يتجاوز العشرين من عمره.
لكن وسط هذا العالم السريع، أخشى أن ينسى الإنسان الأشياء التي لا تزال تحتاج إلى الزمن.
بناء الشخصية يحتاج زمناً.
بناء الثقة يحتاج زمناً.
بناء المعرفة يحتاج زمناً.
أما بناء الإنسان الحقيقي، فيحتاج عمراً كاملاً.
يا بني…
لقد علمتني الحياة أن أقسى المعارك ليست دائماً تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل تلك التي نخوضها داخل أنفسنا.
تعلمت أن القوة ليست في عدم السقوط، بل في القدرة على النهوض بعد كل سقوط.
وتعلمت أن النجاح الحقيقي ليس أن تصل سريعاً، بل أن تصل دون أن تفقد نفسك في الطريق.
وتعلمت أن الإنسان قد يخسر مالاً أو منصباً أو فرصة، لكنه إذا حافظ على كرامته وقيمه، فإنه لم يخسر شيئاً جوهرياً.
لقد عرفت في حياتي لحظات صعبة واختبارات قاسية، كما عرفها كثير من الرجال والنساء الذين رفضوا الاستسلام لظروفهم، واكتشفت أن الحياة لا تمنح الجميع فرصاً متساوية، وأن بعض الناس يبدأون رحلتهم من أماكن أبعد من غيرهم، ويواجهون عوائق لا يراها الآخرون.
لكنني اكتشفت أيضاً أن الإنسان لا يُعرَّف بأصعب لحظة مر بها، بل بأشجع موقف اتخذه بعدها.
ولا يُقاس بعدد المرات التي تعثر فيها، بل بعدد المرات التي وجد فيها سبباً جديداً للنهوض.
وهناك حقيقة أريد أن أعترف بها اليوم أمامك وأمام جيلك كله:
لقد كانت كثير من محن الحياة تذبل في حضورك.
كان يكفي أن أراك تبتسم حتى يخف ثقل الأيام.
وكان يكفي أن أراك تكبر أمام عيني حتى أستعيد إيماني بأن التعب لا يضيع سدى.
وكان يكفي أن أراك تحمل قيماً جميلة حتى أشعر أن أجمل ما أنجزته في حياتي لم يكن منصباً ولا شهادة ولا لقباً، بل إنساناً أحاول أن أترك فيه شيئاً من الخير.
ولذلك أقول لكم يا أبناء هذا الجيل: لا تخجلوا من تعثراتكم، ولا تسمحوا لأحد أن يختزل مستقبلكم في أخطائكم أو في الظروف التي وُلدتم فيها، فالإنسان العظيم ليس من لم يسقط أبداً، بل من رفض أن يجعل من سقوطه قدراً نهائياً.
يا أبناء هذا الجيل…
أعرف أنكم تعيشون زمناً صعباً رغم كل ما يبدو فيه من سهولة.
أنتم أول جيل يعيش وسط فيض هائل من المعلومات، لكنه يعاني في الوقت نفسه من ندرة اليقين.
أنتم أيضاً أول جيل أصبح يرى الهجرة أحياناً حلماً، ويرى الاستقرار امتيازاً لا حقاً مكتسباً.
وأول جيل يرى العالم كله أمامه، لكنه يشعر أحياناً بأن الطريق إلى مستقبله أكثر غموضاً من أي وقت مضى.
أنتم تواجهون تحديات لم تعرفها أجيال سابقة:
الخوف من البطالة.
قلق المستقبل.
المنافسة العالمية.
الذكاء الاصطناعي.
وتحولات عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة الإنسان أحياناً على الفهم والتكيف.
لهذا لا أطلب منكم أن تكونوا مثاليين.
ولا أطلب منكم أن تكونوا بلا أخطاء.
أطلب منكم فقط ألا تفقدوا أنفسكم وسط هذا الضجيج.
لا تجعلوا عدد المتابعين مقياساً لقيمتكم.
ولا تجعلوا الشهرة بديلاً عن الإنجاز.
ولا تسمحوا للعالم الرقمي أن يسرق منكم قدرتكم على التفكير والتأمل وبناء العلاقات الإنسانية الحقيقية.
فالعالم يحتاج إلى العقول الذكية، لكنه يحتاج أكثر إلى القلوب النبيلة.
ويحتاج إلى أصحاب الكفاءة، لكنه يحتاج أكثر إلى أصحاب الضمائر الحية.
لا تبحثوا فقط عن النجاح.
ابحثوا عن المعنى.
فكم من ناجح فقد نفسه وهو يصعد.
وكم من إنسان بسيط عاش حياة عظيمة لأنه ظل وفياً لمبادئه.
إن جيلاً لا يحمل قيماً، مهما امتلك من تكنولوجيا، يبقى جيلاً هشاً.
أما الجيل الذي يجمع بين المعرفة والأخلاق، وبين الطموح والإنسانية، فهو الجيل القادر على صناعة التاريخ.
يا بني…
إذا سألتني يوماً ماذا أتمنى لك؟
فلن أقول: أتمنى أن تكون الأغنى.
ولن أقول: أتمنى أن تكون الأشهر.
بل سأقول:
أتمنى أن تكون إنساناً لا يخجل من مبادئه.
إنساناً يترك أثراً طيباً أينما حل.
إنساناً يحترم الناس قبل أن يطالبهم باحترامه.
إنساناً يحمل قلباً لا تفسده المصالح، وعقلاً لا تستعبده الأوهام.
وإذا أغلقت الحياة في وجهك بعض الأبواب، فلا تجعل ذلك سبباً للتخلي عن أحلامك، لأن قيمة الإنسان ليست في عدد الأبواب التي فُتحت له، بل في قدرته على الاستمرار رغم الأبواب المغلقة.
وأتمنى أن تظل، مهما كبرت، وفياً لذلك الطفل النقي الذي عرفته فيك منذ أول يوم.
وفي النهاية…
أدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الأب لا يترك لأبنائه فقط ما يملك، بل يترك لهم ما يؤمن به.
ولهذا فإن الإرث الحقيقي الذي أتمنى أن أتركه لك ولجيلك ليس مالاً ولا عقاراً ولا منصباً، بل قيماً تستطيعون حملها عندما تتغير الأزمنة وتتبدل الظروف.
لأن الأوطان تُبنى بالعلم.
والمجتمعات تُبنى بالأخلاق.
أما الإنسان، فلا يبنيه إلا الحب.
وإذا كان لي من رجاء أخير، فهو أن يبقى جيلكم جيلاً يؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس ما جمعه من أشياء، بل ما زرعه من خير في قلوب الناس.
ففي نهاية العمر، لا يتذكر الناس حجم ثرواتنا، ولا عدد مناصبنا، ولا الألقاب التي حملناها.
بل يتذكرون فقط: هل كنا سبباً في خيرٍ مرّ من هنا… أم لا.
فالحياة لا تسألنا في النهاية كم ربحنا، ولا كم امتلكنا، بل تسألنا سؤالاً واحداً:
ماذا تركنا خلفنا عندما غادرنا؟
قم بكتابة اول تعليق