اليسار المغربي: بين عبء الذاكرة وإكراهات التجديد التاريخي

"The Sprouting of Revolutionary Fists," mural by Zoo Project in Tunis, Tunisia.

في صباح يوم الخميس 23 أبريل 2026، احتضن منتدى الفكر والمواطنة جلسة افتتاحية جمعت قيادات حزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي. كان المفترض أن تكون الجلسة لحظة تأسيسية لنقاش استراتيجي حول «أي يسار لمغرب يتغير»، غير أن ما طغى على جزء كبير من المداخلات كان انفصالاً صامتاً عن الزمن التاريخي، واستحضاراً لمرجعيات ما قبل سقوط جدار برلين، فيما يعيش المجتمع المغربي تحولات بنيوية عميقة.

يواجه اليسار المغربي اليوم امتحاناً وجودياً لا يتعلق بصموده التنظيمي بقدر ما يتعلق بقدرته على «التحيين» المعرفي والسياسي. فالفجوة المتسعة بين خطاب مشحون بإرث إيديولوجي ثقيل وبين واقع مجتمعي يتسم بالسيولة والتحول الرقمي والعدالة المجالية، أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

أولاً: الانفصال عن الزمن التاريخي

ما زالت أجزاء واسعة من الخطاب اليساري أسيرة مفاهيم «القطيعة الثورية» و«الحسم الطبقي» و«الرهان على الشارع كأداة وحيدة للتغيير»، دون إعادة تأويلها في ضوء الواقع الجديد. الدولة المغربية المعاصرة لم تعد «أداة قمع طبقي» بسيطة، بل أصبحت بنية مركبة لتدبير المصالح العمومية وتوازن القوى. أما المجتمع فلم يعد يختزل في ثنائية «برجوازية/بروليتاريا»، بل أصبح مجتمع «الثورة الرقمية» الذي تتشكل فيه انتماءات متعددة ومطالب جديدة تتجاوز الأطر الكلاسيكية.

ثانياً: إنكار التراكم المؤسساتي

من أخطر العيوب التي ظهرت في بعض المداخلات «الإنكار الضمني» للمكاسب التي حققها اليسار من داخل المؤسسات. تجربة اليسار المغربي لم تكن احتجاجية صرفة؛ بل ساهمت فعلياً في توسيع هامش الحقوق والإصلاح. القفز على هذا التراكم يحول اليسار إلى قوة «رفض من أجل الرفض»، متجاهلاً أن الديمقراطية هي منظومة لتدبير الاختلاف وليست أداة إقصاء.

ثالثاً: من يسار «التشخيص» إلى يسار «البدائل»

الإشكال الحقيقي ليس في ضعف الخطاب فحسب، بل في غياب القدرة على إعادة بناء العلاقة مع المجتمع. فبدلاً من مخاطبة جيل «الثورة الرقمية» بلغة ثابتة، يحتاج اليسار إلى صياغة مشروع مستقبلي يتناول قضايا راهنة تمس صلب المواطنة:

  • الأمن البيئي والسيادة الاجتماعية
  • تأثير التحول الرقمي على علاقات العمل
  • العدالة المجالية والجهوية المتقدمة

إن تجديد اليسار لا يعني التخلي عن قيمه المؤسسة – العدالة الاجتماعية، المساواة، الكرامة – بل يعني إعادة ترجمتها داخل أفق جديد يجمع بين الواقعية السياسية والالتزام القيمي.

رهان البقاء

اليسار المغربي ليس ذاكرة نضالية فقط، بل هو مشروع مستقبلي. إذا استمر في قراءة الحاضر بلغة الماضي، فلن يكون له مكان في صياغة المستقبل. أما إذا امتلك الجرأة على مراجعة الذات وتجاوز الأوهام الإيديولوجية، فإن الأمل – كما عبر عنه المشاركون في المنتدى – ما يزال قائماً، مشروطاً بقدرة هذه الأحزاب على فك الارتباط مع اللغة الخشبية المتجاوزة وبناء أفق سياسي يستوعب تحولات المجتمع ويستشرف آفاقه.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: هل سينجح اليسار في التحول من «يسار التشخيص» الذي يكتفي بمهاجمة الخصوم، إلى «يسار الاقتراح» الذي يفهم الدولة كما هي ويستوعب المجتمع في تحولاته؟

الإجابة ستحدد مكانته التاريخية في المغرب القادم.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*