انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في سبتمبر 2026، وبينما تعكف الدكاكين السياسية التقليدية على نفض الغبار عن وعودها القديمة وإعادة تدوير لغتها الخشبية المعهودة، شهد الفضاء الرقمي طفرة تواصلية غير مسبوقة. طفرة لم تأتِ من ردهات المكاتب السياسية الفخمة بالرباط او الدارالبيضاء، بل من “مطابخ” صناع المحتوى والشباب الساخرين من وجدة، الذين قرروا تأسيس أحزاب وهمية برموز مستوحاة مباشرة من الحياة اليومية ومن سوق الخضار.

لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة انتخابية افتراضية بطلاتها خضروات وفواكه وأدوات خياطة؛ من “حزب الزرودية” المطالب بالهجرة جماعياً نحو كوكب المريخ، إلى “حزب اللفت” الصادق جداً في وعوده بارتكاب أخطاء جديدة، مروراً بـ “حزب الخوخ” الباحث عن حلاوة الحياة، ووصولاً إلى “حزب الإبرة والمقص” المتخصص في تفصيل السياسات والمقاسات.

انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!插图
انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!插图1
انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!插图2

هذه الظاهرة، وإن بدت في ظاهرها مجرد “موجة ضحك” أو فكاهة رقمية عابرة، إلا أنها تحمل في طياتها أبعاداً سيميائية، سوسيولوجية وسياسية بالغة العمق، تشرح بوضوح مجهري سيكولوجية الناخب المغربي المعاصر عشية اقتراع 2026.

أولاً: سيميائية الرموز البصرية وعقدة “التفصيل والتقطيع”

تاريخياً، ارتبطت الرموز الانتخابية في الوجدان المغربي بمحاولة تبسيط العملية الديمقراطية للمواطنين، لاسيما في ظل ارتفاع نسب الأمية الأبجدية والسياسية؛ فكان الحمام، والجرار، والمصباح، والميزان هي العلامات الإرشادية الموجهة لصناديق الاقتراع. لكن المصمم الرقمي لانتخابات 2026 الافتراضية أحدث قطعاً حاداً مع هذه الرمزية الرصينة، مستبدلاً إياها برموز ذات إحالات استهلاكية لا تخلو من مرارة.

في ملصق “حزب الإبرة والمقص” الذي تتصدره مرشحة ترتدي قفطاناً مغربياً تقليدياً ومتر القياس يلتف حول عنقها، نجد توظيفاً عبقرياً لمصطلحات (القص، القياس، الخياطة، التفصيل). السياسيون يفهمون هذه الشفرة جيداً؛ فهي إسقاط مباشر على “هندسة القوانين الانتخابية على المقاس” وظاهرة “التقطيع الانتخابي” التي تضمن صعود نخب معينة وإقصاء أخرى قبل أن تبدأ عملية التصويت أصلاً. شعار الحزب: “مية تخميمة وتخميمة… ولا ضربة بالمقص”، هو تهكم مبطن على الارتجالية التشريعية التي طالما عانت منها القوانين بالمغرب.

ثانياً: الأبعاد السوسيولوجية.. “الضحك” كآلية دفاعية ضد التضخم

من الناحية السوسيولوجية، يعكس بزوغ نجم “حزب الخوخ” لمرشحه “خليل” بدائرة تندرارة، و”حزب اللفت” لمرشحتها “إلهام” بالجهة الشرقية، تحولاً في جغرافيا الاحتجاج. اختيار مناطق شبه نائية أو حدودية عانت تاريخياً من التهميش ومن وطأة المناخ واقتصاد الهجرة، يحمل دلالات قوية. الشباب في هذه الحواضر والقرى يعلنون عبر هذه الملصقات عدم ثقتهم في الوعود التنموية الحكومية الفضفاضة.

عندما يرفع “حزب الخوخ” شعار: “لن نخذل انتظاراتكم… بالخوخ الصافي!!”، أو يطالب “حزب اللفت” بـ “تشجيع الشباب على الصبر حتى إشعار آخر”، فإن المجتمع هنا يمارس ما يسميه علماء الاجتماع بـ “المقاومة بالسخرية” (Satirical Resistance). إنها آلية دفاعية نفسية يعتمدها المواطن المطحون تحت عجلات التضخم وغلاء المعيشة؛ فبما أن اللحم والدجاج والوقود أصبحت بعيدة المنال، فلنضحك إذن على البرامج السياسية ولنحول “اللفت والزرودية” إلى قادة سياسيين يقدمون حلولاً سريالية.

“صوتكم مهم… حتى ولو لم يغير شيئاً!” > — الشعار الأكثر صدقاً ومرارة في حملة الأحزاب الافتراضية 2026

ثالثاً: تصفية الحساب مع الوعود الفضفاضة.. رحلة “الزرودية” إلى المريخ

الملصق الأكثر تطرفاً في سخريته السوداء هو ملصق “حزب الزرودية” (الجزر) لمرشحته “رباب”. هذا الملصق يضرب في العمق جوهر البرامج الانتخابية للأحزاب الكبرى التي طالما وعدت بملايين فرص الشغل ورفع الأجور دون تقديم آليات تمويل حقيقية.

انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!插图3

برنامج حزب الزرودية يقدم للمغاربة وعوداً واضحة وصادمة:

  • في الاقتصاد: “احنا نزيدو فالأثمنة وأنتوما صرفو ما تبخلوش علينا” (محاكاة ساخرة للعجز الحكومي عن كبح جماح الأسعار).
  • في الفضاء: “رحلة سياحية للمريخ مجاناً… باش نخرجو كاع المغاربة من هاد الدنيا” (تعبير سوسيولوجي عن الرغبة الجماعية في الهجرة).
  • في المال: “100 مليون سنتيم لكل مغربي يومياً… باش يخرج من المغرب” (تهكم على غياب الثروة وتوزيعها العادل).

إن هذه السخرية الفجة هي بمثابة مرآة تعكس الوعود “الوردية” للأحزاب الفعلية، وتقول للمواطن: إن من يعدك بفرص شغل وخفض الأسعار دون خطة اقتصادية ملموسة، هو كمن يعدك برحلة مجانية إلى المريخ مع مصروف الجيب!

رابعاً: التأثير على انتخابات سبتمبر 2026 الفعلية.. الوعي أم العزوف؟

السؤال المركزي الذي يطرحه المطبخ السياسي اليوم: هل ستؤثر هذه الحملات الرقمية الساخرة على مسار انتخابات سبتمبر المقبل؟ الإجابة تتأرجح بين اتجاهين:

  • الاتجاه الأول (سلبي): قد تساهم هذه الحملات في تعميق أزمة الثقة بين المواطن (خاصة فئة الشباب) والمؤسسات الحزبية، مما يؤدي إلى ترسيخ فكرة “عبثية وجدوى التصويت”، وبالتالي رفع نسب العزوف الانتخابي، وهو السيناريو المقلق للدولة والأحزاب على حد سواء. عبارة “صوتكم مهم… حتى ولو لم يغير شيئاً” قد تتحول من مجرد دعابة إلى قناعة راسخة تدفع الناخبين للبقاء في بيوتهم يوم الاقتراع.
  • الاتجاه الثاني (إيجابي): تُمثل هذه الملصقات تمريناً ديمقراطياً رفيع المستوى يقوده الذكاء الجماعي الرقمي. إنها ترفع منسوب الوعي والذكاء الانتخابي لدى الفئات البسيطة، حيث تضع في يد المواطن “مصفاة نقاد” تجعله لا يبتلع الوعود بسهولة. الأحزاب التقليدية اليوم، إذا كانت تمتلك الحد الأدنى من الذكاء السياسي، مطالبة بالتخلي فوراً عن خطابها الكلاسيكي المترهل والنزول إلى الميدان بلغة تواصلية واقعية، قريبة من نبض الشارع، وإلا فإن “الميمز” ستسحق حملاتها الانتخابية وتجعلها أضحوكة الموسم.

خلاصة القول

إن انتخابات 2026 بالمغرب لن تكون كسابقتها؛ فالمواطن الرقمي لم يعد مستهلكاً سلبياً ينتظر “القفة الانتخابية” أو الشعار البراق. لقد تحول إلى منتج لخطاب سياسي مضاد، سلاحه الفكاهة، وهدفه تعرية الواقع. وإلى أن تفتح صناديق الاقتراع الحقيقية في سبتمبر، يبقى “حزب اللفت” و”حزب الخوخ” وزملاؤهما هم الفائزون الحقيقيون بـ “أغلبية القلوب والعقول” في مغرب رقمي يرفض أن يُساق بالوعود الجافة.

انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!插图4
انتخابات 2026 بالمغرب: عندما يفرّ المواطن من “البرامج الخشبية” إلى “سلة الخضار والفواكه”!插图5

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*