في الوقت الذي تحتضن فيه البيوت عائلاتها بمدينة وجدة، يخرج فصيل من الشباب المتطوعين، ليس طلباً للراحة، بل لممارسة “فروسية” من نوع خاص؛ فروسية قوامها العطاء وإغاثة الملهوف. هم أعضاء جمعية فرسان الخير، الذين اختاروا “الالتفاتة الليلية” عنواناً لمبادرتهم الإنسانية التي تستهدف من لا مأوى لهم في أزقة وشوارع عاصمة الشرق.
مبادرة ولدت من رحم التطوع الشبابي
تأسست جمعية “فرسان الخير” سنة 2018 بمبادرة من شباب المدينة، واضعةً نصب أعينها أهدافاً خيرية وتربوية وتنموية،. وتعتبر “الالتفاتة الليلية” إحدى أبرز أنشطتها القارة، حيث ينطلق المتطوعون كل يوم سبت في جولات ميدانية تشمل وسط المدينة، المحطة الطرقية، ومحيط المستشفى الجامعي، وصولاً إلى الأحياء الهامشية، لتوزيع وجبات عشاء ساخنة على الأشخاص في وضعية هشاشة.
اللاجئون السودانيون.. أولوية إنسانية
لم تقتصر خدمات الجمعية على المشردين المغاربة فحسب، بل امتدت لتشمل موجات اللاجئين من جنسيات مختلفة، لا سيما اللاجئين السودانيين الذين تزايدت أعدادهم مؤخراً،. ويوضح رئيس الجمعية، السي محمد، أنهم يقدمون وجبات لقرابة 160 إلى 200 لاجئ سوداني، كما نظموا لهم خلال شهر رمضان الماضي وجبات إفطار وعشاء جماعية داخل قاعة الكنيسة بشارع محمد الخامس لتخفيف وطأة الغربة والقسوة عنهم.
خلف الكواليس: عائلة واحدة ومطبخ يضج بالحياة
يبدأ العمل الميداني منذ الزوال داخل مقر الجمعية بحي “فيطوبة البراني”، الذي تم اكترائه بمساهمات شخصية من الأعضاء. هناك، تشرف المتطوعة “أمينـة” رفقة زميلاتها على إعداد الوجبات التي تختلف من أسبوع لآخر (كسكس، دجاج بالزيتون، مكرونة بالخضر)، مؤكدة أن روح العائلة الواحدة هي ما يحرك الفريق. وتتكون الوجبة الواحدة من طبق رئيسي مدعوم بالفواكه، الماء، والمشروبات، لضمان وجبة متكاملة تليق بكرامة المستفيد،.
تمويل ذاتي ودعم المحسنين
رغم التحديات، يشدد الفرسان على أن “الخير ما زال في البلاد”، حيث تعتمد الجمعية في تمويل مبادراتها على مساهمات أعضائها وأصدقائها، إضافة إلى دعم المحسنين الذين يتكفلون أحياناً بمصاريف ليلة كاملة. هذا التكافل هو ما سمح للجمعية بالاستمرار وتوسيع نطاق عملها ليشمل زيارات لدور الأيتام وتنظيم حفلات اجتماعية،.
لحظات مؤثرة في “المنزل المهجور”
في جولة ليلية رافقت فيها جريدة “جيل 24” الجمعية عند منتصف الليل، رُصدت لقطات إنسانية بليغة داخل ما يعرف بـ”المنزل المهجور” بالمدينة القديمة، حيث يتجمع عدد من الإخوة السودانيين،. هناك، لا يتم توزيع الطعام فحسب، بل تُوزع كلمات المواساة والابتسامات التي تخفف من قسوة النوم على الأرصفة وفي البيوت المتهالكة.
تختتم هذه المبادرة الأسبوعية بعبارات الرضا النفسي التي يشعر بها المتطوعون، مؤكدين أن يد العون، ولو كانت بسيطة، هي جوهر قيم التضامن الإنساني التي تميز المجتمع المغربي. لقد أثبت “فرسان وجدة” أن التطوع ليس مجرد عمل، بل هو رسالة حياة تُكتب فصولها تحت أضواء الشوارع الخافتة.
قم بكتابة اول تعليق