أزمة المركز الجهوي للأورام بوجدة.. إدارة الاستشفائي تتباهى بـ350 ألف درهم تبرعات بينما المرضى يصرخون من الألم

بين نفي إداري واتهامات نيابية ونقابية، يظل المواطن المريض وحيداً في معاناته اليومية وسط صمت رسمي قاتل

وجدة – 15 فبراير 2026

قبل أسابيع قليلة، تناقلت بعض المواقع الإلكترونية والصحف المحلية أنباءً صادمة عن اختلالات هيكلية وتدبيرية خطيرة يعيشها المركز الجهوي للأورام بوجدة، المرفق الحيوي الذي يفترض أن يشكل متنفساً لآلاف مرضى السرطان بالجهة الشرقية. الحديث توقف عند تفاصيل موجعة: أدوية ومسكنات تنتهي صلاحيتها في صيدلية المركز دون أن تصل إلى المرضى… أخصائية وحيدة في علاج الألم تمنع من العمل دون سند قانوني، وحدة للعلاجات التلطيفية راكدة في مبان قديمة، وتضييق على مبادرات المحسنين والجمعيات.

لكن رد فعل إدارة المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة كان سريعاً وحاسماً في الظاهر: نفي قاطع لكل هذه الادعاءات، وشهادة فخر بتحقيق إنجازات على أرض الواقع.

الإدارة تنفي.. وتتفاخر بتبرعات تجاوزت 350 ألف درهم

بلاغ الإدارة – نفى بشكل قاطع وجود أي اختلال في تدبير الأدوية أو التضييق على العمل التطوعي، مؤكدة أن المركز يعمل “وفق أعلى معايير الأخلاقيات المهنية وفي إطار المصلحة العامة“.

بل أكثر من ذلك، كشفت الإدارة – عبر بلاغها أنها تمكنت من جمع تبرعات مالية تجاوزت قيمتها 350 ألف درهم، خصصت جزءاً منها لتحسين ظروف استقبال المرضى ودعم الفئات المعوزة. وأكدت أن أبواب المركز مفتوحة أمام كل المبادرات الخيرية، وأن ما يتم تداوله حول منع المحسنين “مجرد إشاعات مغرضة” تهدف إلى النيل من سمعة المؤسسة.

كما جاء في سياق الدفاع الإداري أن “المركز يشهد دينامية إيجابية على جميع المستويات“، وأن “ما يروج حول إتلاف الأدوية لا أساس له من الصحة، إذ تخضع جردية الأدوية لمراقبة صارمة ومحاضر رسمية“. كما تم التلميح إلى أن بعض الأطراف “تحاول توظيف معاناة المرضى لأغراض غير نبيلة”.

لكن برلمانيا ونقابة يقولان غير ذلك

لو كانت الأمور على ما يرام حقاً، لما كان النائب البرلماني عمر اعنان قد وجه سؤالاً كتابياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يصف فيه الوضع بـ”الاختلالات التدبيرية والإدارية الخطيرة وغير المسبوقة“، ويدعو إلى تدخل عاجل لـ”إعادة الاعتبار للخدمات الصحية بهذا المركز“.

السؤال الذي يحمل توقيع النائب، ويستند إلى “معطيات ميدانية ومراسلات توصل بها شخصيا“، كشف تفاصيل لا تحتمل التأويل:

  • تدبير الأدوية: توفر أدوية ومسكنات بصيدلية المركز مع الامتناع عن تسليمها للمرضى إلى حين انتهاء صلاحيتها، وهو ما يعني – إن ثبت – هدراً للمال العام وجريمة في حق مرضى ينتظرون الموت أو الألم.
  • التوقيف التعسفي للأخصائية: منع الطبيبة المتخصصة الوحيدة في علاج الألم منذ أشهر دون قرار مكتوب، مما انعكس سلباً على المرضى الذين “يعانون في غياب التأطير الطبي المتخصص”.
  • التضييق على العمل الاجتماعي: منع أو تضييق غير مبرر على مبادرات المحسنين والجمعيات الداعمة للمرضى المعوزين.
  • تدهور ظروف العلاجات التلطيفية: إبقاء الوحدة في مبان قديمة رغم المطالب المتكررة بتحسين شروط استقبال المرضى وصون كرامتهم.

أما النقابة – الاتحاد المغربي للشغل ممثلاً في المكتب الموحد للمستشفى الجامعي – فلم تكن أقل وضوحاً. في مراسلة رسمية وجهتها إلى المدير العام للمركز الاستشفائي الجامعي، وصفت النقابة الوضع بأنه “أزمة تدبير عميقة” منذ إعفاء المدير السابق وتعيين مديرة بالنيابة “خارج المساطر المعمول بها“.

النقابة، التي نبهت مراراً إلى أن إبقاء وحدة العلاجات التلطيفية في المستشفى القديم “انعكس سلباً على استمرارية هذه الخدمات“، كشفت أيضاً عن “شطط في استعمال السلطة واحتقان متزايد داخل المؤسسة“، وعن “توجيهات بعدم استقبال النقابة” وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ الحوار الاجتماعي.

أين الحقيقة بين الادعاءين؟

الإدارة تتحدث عن تبرعات بـ350 ألف درهم، والنقابة تتحدث عن أخصائية ممنوعة من العمل. الإدارة تفاخر بـ”الدينامية الإيجابية”، والنائب يتحدث عن “اختلالات غير مسبوقة”. الإدارة تؤكد التزامها بالمصلحة العامة، بينما المرضى – وفق المصادر الميدانية – يئنون من الألم دون مسكنات.

السؤال الأهم: لماذا لم يُفتح تحقيق شفاف ومسؤول في هذه الملفات الشائكة؟ ولماذا تفضل الإدارة اللجوء إلى النفي وولماذا لم تقدم في بلاغها محاضر جرد الأدوية، وتوضح دواعي منع الأخصائية الوحيدة في علاج الألم، وتكشف عن أسباب إبقاء وحدة تلطيفية كاملة في مبان قديمة؟

المواطن يدفع الثمن وحده

في خضم هذا التجاذب بين جهات أربع – الإدارة، التسريع، النقابة، ووسائل الإعلام – يبقى طرف واحد خارج الصورة تماماً: المواطن المريض. ذاك الأب أو الأم أو الابن الذي يكافح السرطان يوماً بعد يوم، ويجد نفسه عالقاً في صراع لا يفهمه ولا يعنيه.

المريض لا يهمه إن جمعت الإدارة 350 ألفاً أو 350 مليوناً، ما يهمه أن يحصل على جرعة الدواء في وقتها. لا يهمه من يدير المركز، ما يهمه أن يجد يداً حانية تخفف آلامه في وحدات التلطيف. لا يهمه تصريحات النفي والتباهي، ما يهمه ألا تُمنع الأخصائية الوحيدة القادرة على إنقاذ ما تبقى من كرامته في أيامه الأخيرة.

نداء عاجل إلى وزارة الصحة

إن استمرار هذا التناقض الصارخ بين خطاب الإدارة ووقائع الميدان، مع غياب أي تحقيق جاد وشفاف، يجعل الشك ينسحب على الجميع. المواطن ينتظر من وزير الصحة والحماية الاجتماعية تدخلاً عاجلاً، لا مجرد ردود برلمانية شكلية، بل لجنة تفتيش مستقلة تنزل إلى عين المكان، تفتش مخازن الأدوية، تستمع إلى الأطر الصحية الممنوعة من العمل، وتزور وحدة العلاجات التلطيفية بنفسها.

أما إذا ظل الحال على ما هو عليه، فسيظل المركز الجهوي للأورام بوجدة شاهداً على مفارقة مريرة: إدارة تتحدث عن تبرعات بمئات الآلاف، ومرضى يموتون بصمت لأن المسكنات حبيسة الأدراج، وأخصائية وحيدة تمنع من تخفيف الألم، ومحسنون يُطردون من الأبواب.

الوقت ينفد، والأرواح أثمن من أي صراع إداري أو حسابات ضيقة. فهل تتحرك الوزارة قبل أن يتحول هذا الملف إلى قضية رأي عام لا تحتمل التأويل؟

أزمة المركز الجهوي للأورام بوجدة.. إدارة الاستشفائي تتباهى بـ350 ألف درهم تبرعات بينما المرضى يصرخون من الألم插图
أزمة المركز الجهوي للأورام بوجدة.. إدارة الاستشفائي تتباهى بـ350 ألف درهم تبرعات بينما المرضى يصرخون من الألم插图1
أزمة المركز الجهوي للأورام بوجدة.. إدارة الاستشفائي تتباهى بـ350 ألف درهم تبرعات بينما المرضى يصرخون من الألم插图2

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*