إصلاح المالية المحلية بالمغرب.. “تصورات جماعية” أم تحول مؤسساتي حقيقي؟

مقال تحليلي: عن الحوار الذي اجراه علي خروبي مع خالد معروفي والمنشور بجريدة الاكنوميست

في إطار الدينامية الإصلاحية التي يعرفها المغرب على مستوى الحكامة الترابية، يواصل البلد تنزيل إصلاح جبائي طموح بموجب القانون رقم 14-25 المتعلق بالجباية المحلية. ومن أبرز تجسيدات هذا الإصلاح، إحداث 92 “تصوراً جماعياً” (Perception communale) على الصعيد الوطني، وهي وحدات مكلفة بتحصيل الموارد المالية للجماعات الترابية، مع تعيين “قباض جماعيين” تابعين للإدارة الترابية (وزارة الداخلية) بدلاً من الخزينة العامة للمملكة.

لكن هذا التحول، الذي كان محل ترحيب من طرف المتخصصين، لم يخلُ من شدٍ وجذب بين وزارتي الداخلية والمالية، بل استنفر بعض النقابات التي رفعت شعارات “مع” أو “ضد” الإصلاح. فما حقيقة هذا الإصلاح؟ وهل هو مجرد تغيير في التسمية، أم قطيعة مع نموذج الحكامة المالية المحلية القديم؟

استبدال “قابض الخزينة” بـ”قابض جماعي”: ما الجديد؟

يؤكد خالد معروفي، الباحث والإطار الإداري، في حوار مع جريدة “لإيكونوميست”، أن الإصلاح يتجاوز منطق استبدال موظف من الخزينة بآخر من الداخلية. ويصفه بأنه “تحول مؤسساتي يهدف إلى تحديث حكامة الترابية بشكل مستدام”، و”خطوة مهمة في تحديث المالية العمومية المحلية”. ويضيف أن وضع التصورات الجماعية تم في ظروف هادئة، بعد تنصيبها خلال شهر دجنبر 2025، مع مواكبة قوية من طرف المديرية العامة للجماعات الترابية (DGCT) والخزينة العامة للمملكة (TGR).

مبدأ الفصل بين الآمر بالصرف والمحاسب: جدل متجدد

أحد أبرز النقاشات التي يثيرها هذا الإصلاح يتعلق بمبدأ “الفصل بين الآمر بالصرف والمحاسب العمومي”، وهو مبدأ أساسي في القانون المالي العام، وينص عليه المرسوم الصادر في 21 أبريل 1967. ففي مجال النفقات، يعتبر هذا الفصل ضمانة أساسية للشفافية والمراقبة. لكن في مجال التحصيل (الموارد)، يرى معروفي أن التطبيق الصارم لهذا المبدأ لم يكن دائماً في صالح فعالية الجباية وتثمين الموارد الذاتية للجماعات.

ويوضح الباحث أن القانون 14-25 “يؤكد هذه المرونة” (أي إمكانية تجاوز الفصل الصارم)، ويراهن على “الفعالية بدلاً من تكثيف المتدخلين والإجراءات الشكلية”. بمعنى أن الإصلاح يمنح القابض الجماعي (التابع للداخلية) صلاحيات محاسبية وتحصيلية كانت حكراً على الخزينة، وذلك لتبسيط المساطر وتسريع استخلاص الموارد المحلية.

التحصيل الجبري: آلة جديدة أم أداة عادلة؟

عند الحديث عن “التحصيل الجبري” (recouvrement forcé)، يقر معروفي بأن الإصلاح يعزز هذه الآلية، التي تمكن الإدارة من إجبار المدينين على أداء مستحقاتهم الضريبية (عبر الحجز على الأموال المنقولة أو العقارية، أو إشعارات الحجز لدى الغير…). لكنه يؤكد أن الهدف “ليس معاقبة، بل ضمان المساواة أمام الضريبة وحماية المالية المحلية”.

ويرى أن المشكلة الحقيقية التي يعالجها الإصلاح هي “الإفلاسات، والسلوك الضريبي غير المدني، والجمود التنظيمي، والتقادم” التي كانت تعيق عمل المحاسبين. وكان الإطار القانوني القديم، بحسب معروفي، “غير ملائم، معقد، مشوش، وقليل التكيف مع التنفيذ الفعال”.

هل يمكن الحديث عن “لامركزية” في تحصيل الموارد المحلية؟

يرفض الباحث الحديث عن “لامركزية تحصيلية” مفضلاً مصطلح “الترشيد”. فالمغرب، كما يقول، يسعى إلى تأمين موارده المحلية وتحسين نسبة الاستخلاص. الإصلاح لا يسحب الكفاءة الجبائية من الخزينة، بل “يجعل التدبير المحاسبي أكثر احترافية بإسناده إلى هياكل متخصصة تابعة لنفس الوزارة (الداخلية)”. وهذا، في نظره، استمرار لعملية تحديث الإدارة، في إطار دينامية تغيير تشمل طريقة اشتغالها وتنظيمها، بهدف تحسين تخصيص الموارد وخدمة المرتفقين.

خلاصة:

الإصلاح الجبائي المحلي بالمغرب ليس مجرد نقل لصلاحيات بين إدارتين، بل هو إعادة هيكلة لنموذج الحكامة المالية الترابية، يضع فعالية التحصيل والشفافية والسرعة في مقدمة الأولويات. ورغم الصعوبات الأولية والتحفظات النقابية، فإن نجاحه مرهون بمدى قدرة التصورات الجماعية على تحقيق التوازن بين القوة الجبائية اللازمة لتمويل الجماعات، واحترام حقوق المكلفين بالضريبة. يبقى الرهان الأكبر: هل سينجح هذا التحول المؤسساتي في تجاوز عقود من البيروقراطية والجمود، أم أنه سيخلق اختلالات جديدة في التوازن الدقيق بين السلطات المالية المحلية والمركزية؟

إصلاح المالية المحلية بالمغرب.. “تصورات جماعية” أم تحول مؤسساتي حقيقي؟插图

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*