إعداد: المصطفى العياش
كتبت هذا المقال لأشارك تجربتي الإعلامية والإنسانية في الدوحة، ولأبرز الصمود الذي أبدته قطر في مواجهة التحديات الإقليمية. الهدف هو أن نرى كيف تبنى دولة صغيرة الحجم بصبر وإرادة قوية، وكيف يمكن للذكريات الشخصية أن تعكس تاريخًا وإنجازات وطنية لا تُنسى.
في حياة كل إنسان مدن يزورها… ومدن أخرى تسكنه. مدن تمر في الذاكرة كخبر عابر، وأخرى تتحول إلى جزء من الحكاية الشخصية. بالنسبة لي، كانت قطر واحدة من تلك الأماكن التي لم تغادر القلب منذ أن عرفتها قبل أكثر من أربعة عقود، وكانت نقطة انطلاق مسيرتي الإعلامية.
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حملتني مهنة الصحافة إلى الدوحة. لم تكن الدوحة يومها المدينة العالمية التي نراها اليوم، بل كانت عاصمة خليجية هادئة تنمو بخطوات واثقة. كانت الأبنية قليلة، والبحر قريبًا من كل شيء، والناس أكثر قربًا من بعضهم البعض. لكن خلف هذا الهدوء كانت هناك إرادة واضحة لبناء دولة حديثة، وإعلام قادر على مواكبة التحولات القادمة.
كنت أسكن آنذاك في شارع حمد، قلب الدوحة القديمة، على مقربة من برج خليفة وقريب جدًا من مقر ومطبعة مجلة العهد. كان الشارع نابضًا بالحياة؛ رائحة القهوة العربية تعبق من المقاهي، وألوان السجاد التقليدي تتناثر في واجهات المحلات. كانت أصوات الباعة وزوار الشارع تعكس روح المدينة، بينما تتلاقى وجوه عربية من مصر والسودان وفلسطين والخليج، لتشكل فسيفساء من النشاط والطموح، وكل ذلك على بُعد خطوات قليلة من قلب الصحافة في قطر.
في تلك الفترة بدأت تجربتي الإعلامية بعقد عمل مع مجلة العهد القطرية، المجلة التي أسسها الإعلامي الرائد عبدالله يوسف الحسيني. كان وراء انطلاقة المجلة شخصية إعلامية بارزة في تاريخ الصحافة القطرية، إذ أسسها كمنبر ثقافي وصحفي يعكس تطلعات المجتمع القطري في مرحلة التأسيس الإعلامي. اشتهرت المجلة برؤيتها الطموحة في فتح المجال أمام المواهب المحلية والعربية، حتى أصبحت واحدة من أهم المطبوعات الثقافية في الدوحة، مع تأثير واضح على المشهد الإعلامي قبل توقفها لاحقًا.
وكان مدير التحرير الفلسطيني صالح زيتون حينها، يدير فريقًا متنوعًا من الصحفيين العرب من مصر والسودان وفلسطين، ويشرف على كل جوانب العمل التحريري والمطبعي. كانت المجلة مكانًا يختلط فيه العمل بالجدية والأفكار بالنقاش، فكل مقال وكل خبر يمر بعدة مراحل: التحرير، تصفيف الحروف، المراجعة، المونتاج، ثم الطبع. وكان الصحفيون يتعلمون يوميًا من تجربة كتابة الأخبار والتحقيقات الثقافية والسياسية.
كانت زمالتي مع هؤلاء الزملاء تجربة لا تُنسى، فقد كنا فريقًا صغيرًا متعاونًا، كل واحد منا يجلب خبرته وثقافته، ونتبادل الأفكار حول الإعلام العربي، ونحلم بمستقبل أفضل للصحافة في الخليج.
مرت السنوات، وكبرت الدوحة أمام عينيّ، وتحولت أزقتها وأسواقها القديمة إلى أحياء نابضة بالحياة، وارتفعت أبراجها الحديثة لتلامس السماء. ومع ذلك، تظل روح المدينة القديمة حاضرة في كل شارع وركن. رغم التوترات الإقليمية التي تعصف بالشرق الأوسط، تبقى قطر بالنسبة لي أكثر من مجرد ساحة للأحداث؛ إنها المدينة التي عشت فيها، وتعلمت فيها، وصاغت جزءًا كبيرًا من تجربتي الإعلامية، وموطن الذكريات التي لا تُنسى.
اليوم، حين أنظر إلى قطر الحديثة، أرى فيها أكثر من مجرد تقدم عمراني أو قوة اقتصادية وسياسية؛ أرى في شوارعها وقصص أهلها وعالم الصحافة الذي شاركت فيه، درسًا عن الصبر والعمل والطموح. تعلمت هناك أن أي تجربة مهما كانت صغيرة، يمكن أن تُصنع منها ذكرى كبيرة، وأن كل جهد شخصي يترك أثره في بناء مجتمع وثقافة، تمامًا كما ساهمت المجلة الصغيرة في نشر المعرفة وإعطاء صوت للصحفيين العرب في الدوحة.
وفي الختام، كل ما بُني في قطر من نهضة وتقدم وإبداع، كل ما أُنجز من تطور اقتصادي وثقافي وسياسي، لا يمكن لأي غطرسة أو تهديد، مهما كان مصدره، أن يزيحه أو يمسّه. قطر، بقيادة حكيمة، تثبت يوميًا أن إرادة شعبها وصلابة قيادتها أقوى من أي محاولة لتقويض إنجازاتها، وأن كل خطوة نحو المستقبل تُبنى على صمود لا يُقهر. هذه الدولة الصغيرة في الحجم، الكبيرة في الرؤية والطموح، تبقى مثالًا حيًا على أن العمل والتخطيط والوفاء للهوية الوطنية تصنع التاريخ.
بعض البلدان نمر بها…
وبعضها يسكن القلب.
وقطر بالنسبة لي ستظل دائمًا… قطر التي في القلب.
قم بكتابة اول تعليق