أصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقريره السنوي لعام 2024، في ظرفية دولية ووطنية استثنائية، حيث سجلت المملكة دينامية تشريعية ملحوظة تزامنت مع ترؤس المغرب لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. ويرسم التقرير صورة شاملة توازن بين المكتسبات الدستورية والمؤسساتية وبين التحديات المرتبطة بضمان فعلية الحقوق على أرض الواقع، خاصة في ظل أزمات بنيوية مثل الإجهاد المائي وتداعيات التحول الرقمي.
ورش الإصلاحات التشريعية والحريات العامة شهدت سنة 2024 حراكاً قانونياً كبيراً همّ قضايا جوهرية، أبرزها إصلاح مدونة الأسرة الذي أثار نقاشاً عمومياً واسعاً، ومشاريع قوانين العقوبات البديلة والمسطرة المدنية، بالإضافة إلى القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب. وفيما يخص ممارسة الحريات العامة، رصد المجلس تنظيم أكثر من 5232 تظاهرة سلمية عبر ربوع البلاد، شارك فيها نحو 180 ألف شخص، تمحورت مطالب أغلبها حول قضايا اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، سجل المجلس استمرار بعض العراقيل الإدارية التي تواجه الجمعيات، مثل الامتناع عن تسليم وصولات الإيداع القانوني.
آليات الحماية ومعالجة الشكايات على المستوى الحمائي، تلقى المجلس ولجانه الجهوية 3442 شكاية وطلباً، حيث شكلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية محوراً أساسياً للتظلمات نتيجة استمرار الجفاف وارتفاع الأسعار [42، 45]. كما واصلت الآليات الوطنية ممارستها لمهامها؛ حيث نفذت الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب 68 زيارة ميدانية لأماكن الحرمان من الحرية، شملت السجون ومخافر الشرطة والدرك الملكي ومستشفيات الأمراض العقلية، مسجلة تفاعلاً إيجابياً من المؤسسات الأمنية مع توصياتها بنسب تجاوزت 86%.
التحديات الاجتماعية والقضايا الناشئة أبرز التقرير أن الإجهاد المائي الحاد يعد من بين أكبر التحديات الضاغطة التي تمس الحق في الماء والبيئة، مما دفع السلطات لاتخاذ تدابير استباقية مثل وقف تزويد بعض المناطق الزراعية بالماء . وفي الفضاء الرقمي، أبدى المجلس انشغاله بتصاعد خطاب الكراهية والتضليل، والانتشار المقلق للأخبار الزائفة والمحتويات التي تمس بالحق في الحياة الخاصة، خاصة مع بروز تقنيات “التزييف العميق” التي تستهدف النساء والرموز الثقافية.
ذكرى هيئة الإنصاف والمصالحة: عشرون عاماً من المسار احتفى المجلس في عام 2024 بالذكرى العشرين لتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة تحت شعار “ذكرى، محطة ومسار”، مؤكداً على مركزية صيانة الذاكرة في تحصين المجتمع ضد تكرار انتهاكات الماضي. وفي هذا الإطار، واصل المجلس تفعيل التوصيات المتبقية، حيث تم الانكباب على استكمال التحريات لتحديد هويات الرفات في حالات مثل “تازممارت”، وإصدار 36 مقرراً تحكيمياً جديداً لفائدة الضحايا وذوي الحقوق، بمبلغ إجمالي تجاوز 10 ملايين درهم.
نحو تعزيز الحقوق الفئوية سجل المجلس استمرار التحديات التي تواجه الفئات الهشة؛ حيث لا يزال معدل بطالة النساء مرتفعاً بنسبة 20.1%، مع استمرار ظاهرة تزويج القاصرات بمعدلات قبول قضائية تفوق 60%. كما رصد التقرير أحداثاً ميدانية مؤلمة مرتبطة بالهجرة، لاسيما محاولات العبور الجماعي في “الفنيدق”، مشدداً على ضرورة اعتماد مقاربة حقوقية تضمن التوازن بين المتطلبات الأمنية والالتزامات الدولية للمغرب.
خلص التقرير بتقديم توصيات عامة موجهة للحكومة والبرلمان، تدعو إلى الإسراع في ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وإلغاء عقوبة الإعدام قانونياً، وتعزيز السياسات العمومية الدامجة لضمان فعلية حقوق الإنسان لكل المواطنات والمواطنين.
قم بكتابة اول تعليق