من طنجة إلى الكويرة.. المغرب يتوحد الليلة خلف حلم الانتصار

بقلم: مصطفى عياش

عندما يطلق الحكم صافرة البداية عند الثانية صباحاً بتوقيت المغرب على أرضية ملعب مونتيري بمدينة مونتيري المكسيكية، لن يكون في المستطيل الأخضر أحد عشر لاعباً فقط يرتدون القميص الوطني، بل سيكون خلفهم وطن بأكمله. ملايين القلوب ستنبض بالإيقاع نفسه، وآمال شعب يمتد من طنجة إلى الكويرة، وجالية مغربية موزعة عبر مختلف قارات العالم، ستتوقف جميعها للحظة واحدة… لحظة قد تفتح باب التاريخ من جديد، أو تؤجل الحلم إلى موعد آخر.

ليست هذه مباراة عادية، وليست مجرد محطة جديدة في كأس العالم 2026، بل مواجهة قد تختصر سنوات من العمل، وأحلام أجيال كاملة آمنت بأن المغرب لم يعد يشارك في المونديال من أجل الحضور فقط، بل من أجل المنافسة وصناعة المجد. فليلة الثلاثاء 30 يونيو 2026 ليست ككل الليالي، لأنها قد تتحول إلى واحدة من أكثر الليالي رسوخاً في الذاكرة الجماعية للمغاربة.

من طنجة إلى الكويرة.. المغرب يتوحد الليلة خلف حلم الانتصار插图

في مباريات خروج المغلوب، لا وجود لفرصة ثانية، ولا مجال لتدارك الأخطاء. كل تمريرة قد تصنع التاريخ، وكل تصدٍ قد يحفظ الحلم، وكل هدف قد يتحول إلى لحظة خالدة تتناقلها الأجيال. الفوز يعني العبور إلى الدور المقبل، أما الخسارة فتعني مغادرة المنافسة، ولذلك قد تمتد هذه المواجهة إلى الأشواط الإضافية أو ركلات الترجيح، حيث تُختبر الأعصاب قبل القدرات، والإيمان قبل الإمكانيات.

وعندما تدق الثانية صباحاً، سيتحول المغرب إلى مدرج واحد. من طنجة إلى الكويرة، ستتوقف تفاصيل الحياة اليومية، وستجتمع العائلات أمام الشاشات، وستكتظ المقاهي بالجماهير التي اختارت السهر حتى الفجر، وسترتفع الأعلام الوطنية فوق المنازل والسيارات، وستنبض القلوب بإيقاع واحد. لن يكون هناك فرق بين مدينة وقرية، ولا بين شمال وجنوب، ولا بين مسؤول ومواطن بسيط، لأن الجميع سيكون خلف علم واحد، وقميص واحد، وحلم واحد.

المنتخب الذي وحّد العرش والشعب تحت راية واحدة

ولعل ما عاشه المغرب في مونديال 2022 خير دليل على أن انتصارات المنتخب الوطني لم تعد مجرد نتائج رياضية، بل أصبحت لحظات وطنية خالدة. فبعد التأهل التاريخي على حساب إسبانيا، خرج صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى شوارع الرباط مرتدياً قميص المنتخب الوطني، وتقاسم فرحة التأهل مع المواطنين في مشهد سيبقى محفوراً في الذاكرة الجماعية للمغاربة. كما شارك صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن تلك الأجواء الاحتفالية، في صورة جسدت عمق التلاحم بين العرش والشعب، وأكدت أن راية الوطن قادرة على توحيد الجميع عندما يتعلق الأمر بالمغرب. ولذلك، فإن مباراة الليلة لا تعني اللاعبين وحدهم، بل تعني شعباً بأكمله، ومؤسسات الدولة، وكل مغربي يحمل في قلبه عشق هذا الوطن.

لقد تجاوز المنتخب المغربي منذ سنوات صفة “المشارك المشرف”. فمنذ الإنجاز التاريخي في مونديال 2022، تغيرت نظرة العالم إلى الكرة المغربية، وأصبح “أسود الأطلس” يدخلون أكبر المحافل بعقلية المنتخبات الكبرى، لا بروح الباحث عن المفاجأة. ولم يعد أحد ينظر إلى المغرب كضيف شرف، بل كمنتخب قادر على إقصاء كبار العالم وصناعة الحدث في كل بطولة.

ولا أحد ينكر أن المنتخب الهولندي يملك تاريخاً عريقاً ومدرسة كروية أنجبت أسماء خالدة في تاريخ اللعبة، لكن التاريخ لا يسجل الأهداف، والأسماء لا تمنح بطاقات التأهل. وحدها الروح القتالية، والانضباط، والإيمان، والقدرة على التضحية حتى آخر ثانية، هي التي تصنع الفارق… وهي القيم التي جعلت المنتخب المغربي يحظى باحترام العالم.

ولهذا، فإن مباراة الليلة أكبر من مجرد صراع على بطاقة العبور إلى الدور المقبل. إنها اختبار لشخصية منتخب، واختبار لوحدة شعب، واختبار لحلم وطن بأكمله. إنها دقائق قد تختصر سنوات من العمل، وقد تفتح الباب أمام صفحة جديدة من تاريخ الكرة المغربية.

وإذا نجح المنتخب الوطني في حسم بطاقة التأهل، فمن المؤكد أن المغرب لن ينام حتى طلوع الشمس. ستتحول الشوارع إلى ساحات فرح، وستصدح أبواق السيارات، وسترفرف الأعلام الوطنية في كل مدينة وقرية، من طنجة إلى الكويرة، في مشهد سيؤكد مرة أخرى أن كرة القدم في المغرب ليست مجرد لعبة، بل قضية وطنية توحد القلوب قبل أن توحد المدرجات.

ومن هذا المنطلق، يبدو من المناسب أن تتحلى المؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، بقدر من المرونة والتفهم، عبر اعتماد ترتيبات استثنائية أو تسهيلات في الالتحاق بالعمل صباح اليوم الموالي، بما يتيح للمواطنين الاحتفال بإنجاز وطني محتمل في إطار من المسؤولية، مع ضمان استمرارية المرافق الحيوية واحترام المصلحة العامة.

فقد تكون المباراة بالنسبة للعالم مباراة في دور خروج المغلوب، لكنها بالنسبة للمغاربة ليلة وطن بأكمله… ليلة يتوحد فيها الجميع، من طنجة إلى الكويرة، خلف علم واحد، وهدف واحد، وحلم واحد… حلم الانتصار.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*