في شمال المغرب، حيث تتلاشى الخطوط الفاصلة بين اليأس والبحر، لم يعد الأمر هجرة سرية. بل أصبح هروباً جماعياً علنياً، مشهداً سوريالياً يخرج من رواية سوداوية كتبتها الأقدار على إيقاع أمواج المتوسط. آلاف الشباب، وبعض الآباء والأمهات يحملون أطفالهم كأمتعة أخيرة، يرتمون في المياه كأنهم يرمون أنفسهم في حضن المجهول، مفضلين احتمالات الغرق على وعود المسؤولين التي تذوب كرغوة الصابون في كل خطاب رسمي جديد.
ليس هذا هروباً من الفقر وحده، بل من ذلك الفراغ الذي يملأ الصدور بعد سنوات من الوعود المتكررة: «سنوفر فرص العمل»، «سنصلح التعليم»، «سنبني مستقبلاً يستحقه الشباب». وعود تتكرر في المواسم الانتخابية وفي خطب المناسبات، ثم تختفي كدخان في سماء الرباط.
الشاب المغربي الذي يبلغ العشرين أو الثلاثين يجد نفسه محاصراً بين بطالة مقنعة وشهادات لا تفتح أبواباً، وبين إعلام يصور له «المغرب الجديد» بينما واقعه يقول له إن الأبواب مغلقة، وإن الطوابير أمام السفارات الأوروبية أطول من أي خطة حكومية.
فيختار البحر، لا لأنه يحب إسبانيا، بل لأنه فقد الثقة تماماً في أن المسؤول الذي يتحدث عن «السيادة» و«الكرامة» قادر على منحه كرامة البقاء.
وما أشدّ المرارة حين ترى قوات الأمن من الجانبين «تستسلم» للأمر الواقع، تترك التدفق يسيل بسلاسة غريبة، كأن الجميع قد أدرك أن هذا الفيضان البشري لم يعد يُرد. حرس الحدود الإسباني ينشغل بمعالجة الجرحى والمصابين أكثر مما ينشغل بالصد، والشباب يصلون إلى الضفة الأخرى فيقبلون الأرض فرحاً، أو يصرخون «عاشت إسبانيا»…
صرخة ليست حباً في الجار، بل صفعة في وجه الوطن الذي لم يعد يسمعهم.
والأعجب من ذلك كله صمت الإعلام الرسمي والريعي والتسولي. الصحف والقنوات التي تمولها الدولة أو تعيش على فتات الإعلانات الحكومية لا تجد في هذا «الهروب الكبير» سوى مادة للشماتة. الشباب الذين رموا أنفسهم في البحر ليسوا ضحايا يأس، بل «مناوئون للوطن»، «أعداء للوحدة»، «يسيئون إلى سمعته في الخارج». كأن الغرق في المتوسط جريمة وطنية، وكأن الصراخ «عاشت إسبانيا» خيانة أعظم من الصمت الطويل الذي مارسته تلك الأجهزة أمام أحلام جيل كامل.
لا تحقيقات معمقة، لا أسئلة عن أسباب النزيف، لا اعتراف بأن الوعد المتكرر قد أصبح سماً بطيئاً. فقط الاتهام الجاهز: أنتم تخونون، وأنتم تشوهون صورة المغرب الجميل.
في الصحافة الإسبانية يُروى كل شيء بتفاصيله: التنسيق، الجرحى، القبول الأرضي، وحتى البلاغات الرسمية.
أما في الداخل، فالصمت أكثر فصاحة من أي بيان. كأن وزارة الداخلية مشغولة بأشياء أهم من ملايين الشباب الذين يفضلون الموت في المياه على الانتظار تحت سماء الوعود. وكأن المغرب، في نظر بعض الأقلام، لم يعد سوى دركي مجاني يحرس حدود أوروبا، بينما أبناؤه يغرقون في الطريق.
هذا ليس مجرد أزمة حدود. إنه إعلان جماعي عن فقدان الثقة. جيل يختار البحر لأنه لم يعد يؤمن بأن اليابسة قادرة على حمله.
وفي هذا الاختيار المرير، تتجلى الحقيقة الأشد سواداً: أن الوطن الذي يُتهم أبناؤه بخيانته هو نفسه الذي خانهم أولاً… بالصمت، وبالوعود، وبالشماتة.
تحياتي – عبدالعالي الجابري
قم بكتابة اول تعليق