عبد اللطيف وهبي في قفص “المغالطات”: عندما يتحول التشريع إلى “أداة سياسية” عارضة

شهدت مدرجات كلية الحقوق مؤخراً نقاشاً ساخناً فجره وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اختار كعادته لغة “الصدمة” لمناقشة فلسفة التشريع وصناعة السياسة في المغرب. وبينما يرى أنصاره في خطابه “واقعية سياسية”، يرى منتقدوه أن الوزير سقط في فخ مجموعة من “المغالطات” التي تمس جوهر الهوية القانونية والدينية للمملكة.

التشريع.. من “القدسية” إلى “أداة في يد الحاكم”

أولى النقاط الجدلية التي أثارها وهبي هي “نزع القدسية” عن التشريع، معتبراً إياه مجرد وسيلة لتنفيذ سياسة معينة، يتبدل بتبدل المواقع بين الحداثيين والمحافظين. يرى المراقبون في هذا الطرح مغالطة اختزالية؛ إذ يحول القانون من مرجعية “ثابتة” تستند إلى الدستور وإمارة المؤمنين إلى مجرد “خدمة يومية” تابعة لموازين القوى السياسية العابرة.

التشكيك التاريخي.. “السياسة” في مواجهة “النص”

لم يتوقف الوزير عند حدود السياسة، بل غاص في التاريخ الإسلامي ليدعي أن الأمويين والعباسيين “وضعوا” أحاديث نبوية لتأسيس شرعية سياسية وقوانين تخدم أنظمتهم. هذا الطرح اعتبره أكاديميون مغالطة تاريخية تهدف إلى التشكيك في مصادر التشريع الإسلامي التاريخية لتمهيد الطريق أمام تغييرات قانونية حالية، عبر تصوير الفقه وكأنه مجرد “صناعة بشرية” لخدمة الحكام.

وفي سياق متصل، استشهد وهبي بـ “العقد القيرواني” لشرعنة تقييد التعدد، مدعياً أن العقد يمكن أن يحرم “حلالاً”. ويرى خبراء القانون والشريعة أن في هذا “قياساً مع الفارق”؛ فاشتراط عدم التعدد في عقد فردي لا يعني بالضرورة إمكانية تحويله إلى قانون عام يلغي نصاً شرعياً، وهو ما وصفوه بـ “التحايل الفقهي”.

صدام مع المؤسسات.. “نية المشرع” تحت مقصلة الوزير

في تصريح وُصف بالأكثر جرأة، اعتبر وهبي أن مفهوم “نية المشرع” هو “أكبر عملية نصب” في المجال القانوني المغربي، متسائلاً بسخرية عن كيفية تحديد “نية” مئات البرلمانيين. هذه “المغالطة” برأي القضاة والفقهاء القانونيين تضرب في عمق “تفسير القانون”؛ إذ أن إلغاء غاية المشرع يترك النصوص عرضة للتفسير المزاجي.

ولم تسلم المحكمة الدستورية من انتقاداته، حيث وصف قضاتها بـ “الأنبياء المعصومين” الذين يمارسون السياسة بغطاء قانوني. هذا الهجوم اعتبره البعض تناقضاً مؤسساتياً؛ فكيف لوزير دولة أن يطعن في قدسية أحكام أعلى هيئة دستورية لمجرد أنها عارضت توجهاته التشريعية؟.

“رونالدو” وكأس العالم.. هل تقاد القوانين بالضرورات السياحية؟

ربط الوزير بشكل مباشر بين التغييرات التشريعية المرتقبة (مثل عدم طلب عقد الزواج في الفنادق) وبين استضافة المغرب لأحداث عالمية مثل كأس العالم، مستشهداً بحالة اللاعب “رونالدو”. يرى المنتقدون في هذا الخطاب مغالطة “الارتهان للخارج”؛ حيث يتم تبرير إصلاحات قيمية كبرى بضرورات سياحية أو رياضية مؤقتة، بدلاً من تأسيسها على نقاش مجتمعي رصين.

ازدواجية المجتمع أم ازدواجية الخطاب؟

ختم وهبي مرافعته باتهام الرجل المغربي بـ “الازدواجية”، كونه يرفض منح المراه حقوقاً مادية وقانونية رغم اعترافه الشفوي بمكانتها. وفي حين يرى البعض في كلامه مرارة واقعية، يعتبره آخرون مغالطة تعميمية تُستخدم كـ “فزاعة” لتمرير تعديلات مدونة الأسرة دون توافق واسع، عبر وصم المخالفين بـ “النفاق الاجتماعي”.

خاتمة: يبقى خطاب عبد اللطيف وهبي مثيراً للجدل، فبينما يراه البعض “ثورة” لتحديث المنظومة القانونية، يراه آخرون سلسلة من “المغالطات” التي تسعى لفك ارتباط التشريع المغربي بمرجعياته التاريخية والمؤسساتية لصالح “براغماتية” سياسية مفرطة. فهل ينجح الوزير في تحويل “قناعاته الحداثية” إلى قوانين، أم أن صدمة “المغالطات” ستواجه بجدار الصد المجتمعي والمؤسساتي؟.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*