في تجربة شعرية متمردة على الأنماط الجاهزة، يطل علينا الشاعر المغربي الطاهر حسايني كصوت “نشاز” يضجر السمع في مآتم الوجود، لكنه يستأثر بالسلوى في مجونه الوقح الذي يقتحم العادة. حسايني ليس مجرد ناظم للأبيات، بل هو شاهد على انكسار الذات في مواجهة واقع يصفه بـ”التفاهة” و”الخصاص“.
فلسفة الفشل وجدوى القصيدة
يرى حسايني أن الشاعر في جوهره “إنسان فاشل” يعبر عن همومه وفشله، مؤكداً أنه لو كان يتقن حرفة أخرى كالبناء أو النجارة لما كتب الشعر. بالنسبة له، الشعر ليس وسيلة لتغيير العالم -فهو يرى أن العالم يهوي إلى الحضيض أخلاقياً وثقافياً رغم تراكم الدواوين- بل هو مجرد “سيرة ذاتية” وتنفيس عن الذات في خضم مجتمع متقلب.
يقول حسايني مستلهماً من رؤيته للذات والعالم:
“مسٌّ من الجن.. لا أرتدي معطفاً لا يفي قامتي حقها أعرف كيف يجب الجمع.. قولي ‘نعم’ في البداية ثم لسان يكرر ما سنّه السادة الوجهاء لعلك يا أيها الغيض مثلي.. وعيت العراء“.
الأسلوب: نبذ “البهرج” واعتباد الصدق
يتميز أسلوب حسايني بما يصفه النقاد بـ”الجملة الخاصة” والبناء المختلف الذي يعتمد على التدوير المكثف، حيث تمتد الجملة العروضية من بداية القصيدة إلى نهايتها دون انقطاع. هو يرفض أغراض “المدح والفخر“، ويعتبر الفخر “ادعاءً فارغاً وكذباً“. بدلاً من ذلك، يختار لغة “شاذة” تستمد صفاتها من البصمات، لغة جارحة تقلق “الغانمين بفضل الثقافة”.
وفي محاكاة لأسلوبه السردي الذي يمزج بين اليومي والمجرد:
“أنا مفلس يستقيم لأحواله رجل يشرب الشاي أعرف الفرق بين المزيف والأصل كنت أحاول أن أحضر نهجاً جديداً.. بمذاق الهزيمة مثل العتود لوحشته في عيون القبيلة“.
الطفولة والواقع: مرارة الذاكرة
تحضر الطفولة في شعر حسايني لا كفردوس مفقود، بل كأثر لا يمكن التخلص منه، يفرض نفسه رغم محاولات الهروب. إنه يكتب عن “الواقع كما هو“، بعيداً عن “زينة الدنيا“، مركّزاً على انكساراته الشخصية وارتباطه بالشارع المليء بـ”الفتن الجميلة”.
ويصوغ حسايني مرارة هذا الواقع قائلاً:
“ولدتُ المنزل المشحون بالصمت الثقيل هل يأبى عليك الحب إلا أن تمارس موتك المعتاد؟ كلما بلغت شروخ الوعي أسباب المال الفداحة قسمة موفورة.. وهذا جليد الجيب يكمن لي“.
خاتمة: صوت خارج الجوقة
يبقى الطاهر حسايني وفياً لقناعته بأنه “صوت نشاز” يسير عكس التيار، لا يبحث عن جمهور عريض، بل عن “قارئ يشارك في كتابة القصيدة” عبر تأويلها والغوص في خفاياها. إنه الشاعر الذي غسل يديه من الأهواء يوم ولد، ليمشي طريقاً لا يشبه أحداً، حاملاً “عصاه بمذاق الهزيمة” في وجه عالم يزداد زيفاً.
قم بكتابة اول تعليق