وجدة – 29 ابريل 2026
في خطوة استراتيجية تعكس إرادة مؤسساتية لربط التخليق العام بالبحث العلمي، احتضنت رحاب كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية بجامعة محمد الأول بوجدة، ندوة علمية رفيعة المستوى أطرها السيد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. الندوة التي شهدت حضوراً مكثفاً من الأكاديميين والطلبة والمهتمين، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل شكلت منصة لإطلاق شراكة نموذجية تضع “النزاهة” في قلب التكوين الجامعي.
اتفاقية تاريخية: النزاهة مادةً علمية
استُهلت الندوة بتوقيع اتفاقية شراكة وصفت بـ “الجد هامة” بين الهيئة والجامعة، تضمنت قراراً غير مسبوق بإدراج وحدة خاصة بـ “النزاهة ومحاربة الفساد” ضمن المسالك الجامعية بوجدة لأول مرة. وأوضح بنعليلو أن هذا التوجه يندرج ضمن برنامج “منتديات النزاهة في رحاب الجامعة”، الذي يقوم على ثلاثة أبعاد: الشمولية كبرنامج وطني، والاستدامة عبر مأسسة البحث العلمي، والتحفيز من خلال دعم الهيئة لبحوث الطلبة في هذا المجال.
الصحافة.. “الدرع المساعد” للهيئة
في مداخلته المركزية حول دور الصحافة، أكد رئيس الهيئة أن العمل الصحفي ليس مجرد مهنة لنقل الخبر، بل هو “ضمانة مجتمعية وشرط بنيوي” لنقاش عمومي سليم. واعتبر بنعليلو أن الصحافة الاستقصائية وصحافة البيانات تمثلان “الدرع المساعد” للهيئة، لقدرتهما على فك شفرات الفساد وتفكيك شبكات المصالح المعقدة التي يصعب تتبعها بدون تحقيقات معمقة.
وشدد المتحدث على أن فعالية الصحافة رهينة بتوفير شروط موضوعية، أهمها الحماية القانونية، والنموذج الاقتصادي الذي يضمن الاستقلالية، وبيئة تقدر قيمة العمل الصحفي الجاد.
تحذيرات من “الشعبوية” و”التطبيع الرقمي”
ولم تخلُ المداخلة من رسائل تحذيرية؛ حيث نبه بنعليلو من خطر “اغراق الفضاء الإعلامي” باتهامات غير دقيقة، معتبراً أن تحول الحديث عن الفساد إلى خطاب “شعبوي” يؤدي إلى نتيجتين كارثيتين: التطبيع مع الظاهرة في الوعي الجماعي، ونشوء ردود فعل دفاعية داخل المؤسسات تضعف من فرص الإصلاح. كما دعا إلى ضرورة التمييز الصارم بين العمل الصحفي المهني القائم على التوثيق، وبين المحتوى الرقمي السريع الذي يطارد الإثارة.
تفاعل صريح: من حماية المصادر إلى نزاهة الدكتوراه
شهدت جلسة المناقشة تفاعلاً ساخناً، حيث أثار صحفيون تحديات المتابعات القضائية وحق الوصول إلى المعلومة، ليرد بنعليلو بالتأكيد على أن الهيئة تدافع عن حماية المصدر الصحفي وتعتبره معطى أساسياً للتبليغ. وكشف رئيس الهيئة عن إطلاق الرقم المختصر “3003” للتبليغ عن جرائم الفساد، مؤكداً أن الهيئة تملك صلاحيات بحث وتحرٍ واسعة تشمل التفتيش والحجز.
وعلى صعيد النزاهة الأكاديمية، وفي رد على تساؤلات الطلبة حول “اختلالات الدكتوراه“، أكدت رئاسة الجامعة صرامتها في مواجهة السرقة العلمية، مستحضرة سوابق تاريخية تم فيها طرد أساتذة بسبب إخلالات بالنزاهة البحثية، مشددة على أن “صلاح البحث العلمي هو صلاح المجتمع بأكمله”.
خاتمة: الفساد ليس حتماً مقضياً
اختتم بنعليلو اللقاء برسالة تفاؤل مستمدة من التوجيهات الملكية، مؤكداً أن “الفساد ليس من طباع المغاربة”، وأن دحره يتطلب “معركة مجتمعية أفقية” تتقاطع فيها أدوار الدولة والجامعة والجسم الصحفي. وقد تركت الندوة انطباعاً قوياً لدى الحضور بكونها بداية لمسار جديد يزاوج بين الصرامة المؤسساتية واليقظة المجتمعية
قم بكتابة اول تعليق