تدوينة : عبد الصمد بنشريف
دخلنا زمناً اختلطت فيه الأوراق، وتكاثرت التشوهات والندوب والانحرافات، حتى أصبح من الممكن، تجاوزاً، أن نسمي ما يجري «نقاشاً». والحقيقة أن النقاش، في بعض تجلياته، نزل إلى حضيض الحضيض. ما يحدث ويروج في منصات التواصل الاجتماعي والحوامل الإلكترونية، وفي مقرات الأحزاب والصالونات والكواليس والتجمعات السياسية استعداداً للاستحقاقات التشريعية، ليس مجرد اختلاف في الرؤى والمواقف، ولا هو فقط تعبير عن تعدد طبيعي في المصالح والتصورات؛ إنه، في كثير من الأحيان، صورة مقلقة عن حالة سياسية وإعلامية وأخلاقية آخذة في الانحدار.
الأخطر أن هذا الانحدار لا يقف عند حدود الخطاب السياسي. فمهنة الصحافة والإعلام، التي يفترض أن تكون إحدى آليات المجتمع في إنتاج المعرفة وتدقيق الوقائع ومساءلة السلطة وحماية الحق في المعلومة، تعيش بدورها انتكاسات وردات وانحرافات وممارسات لا صلة لها بمهنة المتاعب، بل تنتهك أبسط قواعدها المهنية والأخلاقية. سجالات غير مسبوقة، حروب مستعرة، حملات تشهير، تصفية حسابات، أخبار كاذبة، تبخيس للخبرة، واغتيال ممنهج للكفاءة والمصداقية والمهنية والتراكم والتجربة والنضالات والتضحيات.
والمؤلم في كل ذلك أننا لا نكتفي بإضعاف ما بنيناه خلال عقود، وإنما نشارك، بأيدينا، وربما أحياناً بوعي وإصرار، في نسف جزء كبير منه. كأن هناك من يريد أن يقنعنا بأن التجربة لا قيمة لها، وأن التراكم عبء، وأن الخبرة عيب، وأن الكفاءة لا تستحق الاحترام، وأن من قضوا عقوداً في الميدان لا يملكون ما يؤهلهم للكلام أمام من لم يختبروا بعد تعقيدات الواقع ومطباته.
في المقابل، صعدت إلى الواجهة نخب حزبية هجينة، يفتقد جزء مهم منها إلى التجربة الميدانية، وإلى الثقافة السياسية الضرورية، وإلى المعرفة العميقة بالقضايا الأساسية والأسئلة الجوهرية التي يطرحها المجتمع. نخب بات قسم منها منشغلاً بذاته، متمحوراً حول مصالحه ومشاريعه، فيما يبدو قسم آخر خائفاً على مصيره، متوجساً من مستقبله، منفصلاً عن هموم الناس، بعيداً عن الواقع والوقائع معاً.
وفي مثل هذا المناخ، تصبح الساحة السياسية مفتوحة أمام كائنات حزبية تسوق ما لا حصر له من الوعود، وتصل بها شطحات الخيال الانتخابي إلى الاقتناع بأنها قادرة على شق الطرق في البحار الهائجة والمحيطات العميقة. وحين يعجز الواقع عن حمل هذه الوعود، لا مشكلة؛ فالكلمات مجانية، والخيال لا يخضع دائماً لقوانين الفيزياء ولا لمقتضيات السياسة.
إلى جانب هؤلاء، نجد الحمقى والشعبويين ومروجي الخطابات الضحلة، ومنتهكي حرمة الصحافة ومغتصبي مصداقيتها، وأولئك الذين يقتاتون على الابتزاز والتشهير وتبخيس الثقافة والفكر والقيم والحضارة. ينتجون يومياً أطناناً من التفاهة، ويزرعون الفتن والسخافة، ويقدمون سرديات متهافتة تتدثر، في كثير من الأحيان، بلبوس الحداثة والجرأة على كسر التابوهات، بينما هي في جوهرها ليست أكثر من إعادة تدوير للسطحية والانفعال والابتذال.
وهؤلاء لا يتحركون دائماً بلا أقنعة. بعضهم يختبئ خلف أقنعة مكشوفة وأجندات واضحة، ويقضي جزءاً كبيراً من وقته في تفصيل «الوطنية» على المقاس، وتعريفها وفق هواه ومصالحه. يوزع شواهد حسن السيرة وصكوك الغفران، ويحلل ويحرم، وينصب محاكم لتفتيش النوايا والأفكار والمواقف، ثم يمنح نفسه، دون تفويض من أحد، وظيفة حارس للمصالح الوطنية وناطقاً باسم الدولة، حتى وإن كانت الدولة نفسها لم تطلب منه ذلك.
يُلمّع وجه من يروق له ويسانده في مواجهة صروف الحياة وغارات الدهر، ويلطخ وجه من يختلف معه أو يعتبره غير مؤمن بما يكفي بالخطاب السائد. يرفع البعض إلى مرتبة الوطني النموذجي، ويدفع آخرين إلى خانة المشكوك في وطنيتهم، وكأن الوطنية ملكية خاصة يمكن توزيعها أو سحبها بقرار فردي.
ولحسن الحظ، فإن هذه الشرذمة، مهما أحدثت من ضجيج، تظل محدودة العدد والقدرة على التأثير. لكن خطورتها لا تقاس دائماً بحجمها العددي، وإنما بقدرتها على تسميم المجال العام وإرباك النقاش وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى معركة وجودية.
ففي الفيسبوك وباقي منصات التواصل الاجتماعي، الكلام مجاني. لا ضرائب عليه، ولا رسوم جمركية، ولا يحتاج إلى رخصة. من أراد أن يقول شيئاً يقوله. هناك من يفهم في كل شيء. ومن يفتي ويفصل، ومن يفسر وينظر، ومن يبيع الوهم، ومن يكذب جهاراً، ومن يزايد في الطهرانية والعفة والاستقامة والوطنية والأخلاق والمبادئ، ومن يمارس النصب والاحتيال والتدليس وتزييف الحقائق، ومن يصفي حساباته مع جهات أو أشخاص، ومن ينشر الخزعبلات والترهات والأكاذيب بلا حياء.
هناك أيضاً من يدعي الثورية المطلقة، ومن يدعي احتكار الواقعية والعقلانية والوطنية، ثم يلصق بالآخرين تهمة الرجعية المطلقة. وهناك من يمجد ويمدح إلى درجة يتفوق فيها على الدولة نفسها في تمجيد ذاتها، متوهماً أن المبالغة في الولاء ستفتح أمامه أبواب الرضا والهدايا والعطايا. وهناك من يفكك ويفتت ويؤجج ويجرح، ومن يحلل ويحرم، ومن ينصب نفسه قاضياً وجلاداً في الوقت نفسه.
وفي النهاية، نجد أنفسنا داخل سوق هائلة، تضج بالمعروضات والمنتجات: بعضها أصلي، وبعضها مغشوش، وبعضها لا علاقة له بالمنتج أصلاً، وإنما هو مجرد ضجيج وتسويق.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً ومحرجاً في آن واحد: ما جدوى الثقافة والفكر؟ ما جدوى السياسة؟ ما جدوى الصحافة والإعلام؟ وما قيمة المعرفة والخبرة والتجربة إذا كان من يكثر الصراخ، هوالأكثر إثارة، والأكثر استعدادا للتشهير،
و تزييف الوقائع .
في إحدى الندوات، سمعت مفكراً مغربياً يقول إن الدولة هي أعظم اختراع تحقق في تاريخ البشرية. كان يتحدث، بطبيعة الحال، عن الدولة بمفهومها الحديث: دولة الحق والقانون والمؤسسات، لا مجرد جهاز إداري أو سلطة فوق المجتمع.
ومن هنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية: إذا كانت الدولة قد راكمت وشيدت عبر التاريخ، مؤسسات وقواعد وتجارب، فإن عليها أيضاً أن تعرف كيف تدير لحظات الانحراف الجماعي، وكيف تتدخل عندما يتهدد المجال العام الانزلاق إلى الفوضى الرمزية والسياسية والأخلاقية. التدخل هنا لا يعني خنق الأصوات ولا مصادرة الاختلاف، وإنما يعني حماية قواعد اللعبة الديمقراطية، وحماية المؤسسات، وضمان الحد الأدنى من العقلانية في المجال العام.
الدولة، في المقابل، ينبغي أن تدرك أن خيار الحزب الواحد، والصوت الواحد، والخطاب الواحد، واللغة المتماهية مع لغتها، قد يلحق بها من الأضرار أكثر مما يجلب لها من المنافع. فالدولة القوية ليست التي لا تسمع إلا المديح، وإنما التي تستطيع أن تحتمل النقد، وتستفيد من التعدد، وتترك للمجتمع فضاءه الطبيعي للاختلاف والتعبير.
الوطنية ليست وظيفة، ولا مهنة، ولا سلعة، ولا بطاقة اعتماد. إنها قناعة وإيمان وتربية وقيم. ولا تكون بمقابل. ولا تحتاج إلى الصفير والزعيق والصراخ والتبريرات والذرائع. والوطنية ليست حلبة للمزايدة والملاكمة السياسوية، ولا لعبة بالكلمات والصفات، ولا بحثاً دائماً عن سرديات جديدة لتشويش الناس وتفخيخ وعيهم وتضليلهم.
الأخطر هو الاستثمار في الخوف الجماعي والترهيب والترويع، وتحويل التخوين إلى عملة سياسية رائجة. فحين يصبح التخوين وسيلة لإسكات المختلف، وحين يتم استدعاء «المصلحة الوطنية» كلما احتاج أحدهم إلى إسكات صوت مستقل، نكون أمام اختزال خطير للوطن في موقف، وللوطنية في ولاء شخصي، وللدولة في مجموعة من الأشخاص أو المصالح.
ومن المفارقات اللافتة ، أن بعض الذين يقضون ليلهم ونهارهم في منصات التواصل الاجتماعي، يشهرون بأصوات مستقلة، ويتنمرون عليها، ويشتمونها ويتهمونها بلا سبب وجيه، يقدمون أنفسهم في الوقت نفسه باعتبارهم الأكثر قدرة على فك شيفرة الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، والأقدر على قراءة مقاصدها وتأويل إشاراتها ورموزها.
يتوهم بعضهم أنه وحده ينتج المعنى، وأنه وحده يمتلك الحقيقة، وأن من حقه إعادة تعريف كل شيء: الوطنية، الدولة، المعارضة، الصحافة، الحداثة، الرجعية، المصلحة العامة، وحتى الخيانة.
لكن الأمر، في كثير من الحالات، لا يتجاوز وظيفة تقوم على الإثارة وتأجيج المشاعر وتجييشها، وتغليب مصالح ذاتية ملتبسة تحولت، بحكم طبيعة المهمة التي يضطلع بها أصحابها، إلى رهان وجودي. يدعي صاحبها حراسة الوطن ومعالجة عطب بنيوي وتاريخي وثقافي، فيما هو، في الواقع، قد يكون بصدد إنتاج الهذيان وتحريف الوقائع وتحوير التاريخ والجغرافيا والثقافة والقيم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع ليس أن يختلف أبناؤه، وإنما أن يفقدوا القدرة على الاختلاف العقلاني. ليس الخطر في وجود أصوات متعددة، بل في أن يصبح الصراخ بديلاً عن الحجة، والتشهير بديلاً عن النقد، والولاء بديلاً عن الكفاءة، والشعبوية بديلاً عن السياسة، والتفاهة بديلاً عن الثقافة، والادعاء بديلاً عن الخبرة.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تدعي امتلاك الحقيقة، وإنما إلى استعادة قيمة الحقيقة نفسها. ولا نحتاج إلى مزيد من حراس الوطنية، وإنما إلى إعادة الوطنية إلى مكانها الطبيعي: علاقة هادئة وعميقة بين الإنسان ووطنه، تقوم على المسؤولية والكرامة والحرية والعدالة واحترام المؤسسات.
نحتاج، قبل كل شيء، إلى استعادة معنى النقاش.
فالمجتمعات لا تتقدم حين يتفق الجميع، وإنما حين يختلفون دون أن يهدموا الجسر الذي يجمعهم. والسياسة لا تكون سياسة حين تتحول إلى سوق للمزايدات. والصحافة لا تكون صحافة حين تصبح أداة للتشهير والابتزاز. والثقافة لا تكون ثقافة حين تتحول إلى زينة لغوية. والدولة لا تكون قوية حين تخاف من التعدد، بل حين تكون واثقة من مؤسساتها وقادرة على إدارة الاختلاف.
أما إذا استمررنا في اغتيال الخبرة، وتبخيس الكفاءة، وتسفيه الثقافة، وتحقير الصحافة المهنية، وتحويل المنصات الرقمية إلى ساحات للتشهير والتخوين، فإننا لن نكون فقط أمام أزمة خطاب ثقافي وممارسة سيسية أو أمام انتخابات بدون رهانات حقيقية أو امام أعطاب مزمنة في الإعلاموالصحافة ؛ سنكون أمام شيء أخطر بكثير: تبديد بطيء لرصيد جماعي راكمه المجتمع والدولة عبر عقود.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا جميعاً: هل نحن أمام مجرد مرحلة عابرة من الضجيج والسقوط والانحراف والانفعال، أم أننا بدأنا، من دون أن نشعر، نهدم الأسس التي جعلت الحوار والسياسة والصحافة والثقافة ممكنة ؟
الجواب يوجد في قدرتنا على استعادة العقل، واحترام الوقائع، وصون الاختلاف، وإعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة والمهنية، قبل أن يصبح الحضيض هو القاعدة..

قم بكتابة اول تعليق