حين يتكلم الشكل: في دلالة تعذر البت وميلاد قانون مهنة المحاماة بين الشرعية الدستورية وفلسفة المسطرة.

إعداد الدكتور : ياسين عزاوي مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة.

لم يكن صدور القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بالجريدة الرسمية، عقب الأمر بتنفيذه بظهير شريف، مجرد محطة عادية في المسار التشريعي، بل لحظة كاشفة عن عمق البنية الدستورية التي تؤطر إنتاج القاعدة القانونية في المغرب. لحظة تتقاطع فيها الشرعية مع الإجراء، ويتجلى فيها أن القانون لا يولد دفعة واحدة، بل يتشكل عبر مسار متكامل، تحكمه قواعد دقيقة، ويخضع لتوازنات مؤسساتية محكمة. وفي قلب هذا المسار، برز قرار المحكمة الدستورية القاضي بالتصريح بتعذر البت، لا كواقعة معزولة، بل كجزء من هذا البناء، يعكس منطقه الداخلي ويكشف عن فلسفته العميقة.فبين لحظة الإحالة على المحكمة الدستورية، ولحظة النشر في الجريدة الرسمية، يتجسد خيط ناظم لا يقوم على المصادفة، بل على انسجام دقيق بين المؤسسات. غير أن هذا الانسجام لا يعني غياب التعثر، بل إن التعثر ذاته قد يكون دليلا على صرامة القواعد، وعلى أن كل مرحلة من مراحل إنتاج القانون تخضع لشروطها الخاصة، التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها.

في هذا السياق، يكتسي قرار المحكمة الدستورية بالتصريح بتعذر البت دلالة خاصة، لأنه يعيد التذكير بحدود اختصاص هذه الهيئة وطبيعة عملها. فالمحكمة الدستورية ليست جهة مبادرة، ولا تملك أن تتحرك خارج الإحالة التي ترد عليها، كما أنها لا تملك، في غياب نص صريح، أن تستدرك النقص أو تمنح مهلا إضافية للجهة المحيلة.

إن الفصل 132 من الدستور، كما كرسته مقتضيات القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، يجعل رقابتها رهينة بإحالة صحيحة مكتملة الشروط، ومرفقة بالنص القانوني في صيغته النهائية.ومن ثم، فإن عدم توصل المحكمة بالنص موضوع الإحالة لا يمكن أن يكون سببا لإثارة تلقائية من طرفها، ولا مبررا لفتح مسطرة موازية لاستكمال الوثائق. فالمحكمة، بحكم موقعها الدستوري، تظل مقيدة بحدود ما عرض عليها، ولا يجوز لها أن تتحول إلى فاعل داخل المسطرة بدل أن تبقى حكما فيها.

إن حيادها يقتضي أن تفصل فيما هو قائم، لا أن تسعى إلى إيجاد ما لم يُقدم لها.وفي الآن ذاته، فإن المحكمة الدستورية، وهي تواجه هذا النقص، لم تخرج عن الأجل الدستوري المحدد لها.

فقد احترمت المدة المنصوص عليها في الفصل 132 من الدستور، وأصدرت قرارها داخلها، رغم أن موضوع البت لم يكن مستوفيا لشروطه. وهو ما يؤكد أن التصريح بتعذر البت لم يكن تعبيرا عن تردد أو تقاعس، بل نتيجة قانونية منضبطة لخلل مسطري سابق عليها.وبموازاة ذلك، جاء صدور القانون بظهير شريف، ونشره في الجريدة الرسمية، ليؤكد أن المسار التشريعي استكمل حلقاته وفق ما يقتضيه الدستور.

فالفصل 50 منه ينص على أن الملك يصدر الأمر بتنفيذ القانون داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ إحالته عليه بعد تمام الموافقة عليه. وهذا الاختصاص، في جوهره، ليس تعبيرا عن موقف موضوعي من مضمون القانون، ولا يحمل دلالة تأييد أو رفض، بل يندرج ضمن المكنة الدستورية التي تستكمل بها العملية التشريعية شروطها الشكلية قبل دخول القانون حيز التنفيذ.

إن الربط بين صدور الظهير وبين مضمون القانون أو اتجاهاته، هو تأويل يخرج عن منطق الدستور، الذي أقام تمييزا واضحا بين وظيفة التشريع التي يمارسها البرلمان، ووظيفة إصدار الأمر بالتنفيذ التي يمارسها الملك في إطار محدد زمنيا وإجرائيا. فالقانون، في نهاية المطاف، لا يصبح نافذا إلا بعد استكمال هذه الحلقة، التي تمثل انتقاله من مجرد نص مصادق عليه إلى قاعدة ملزمة منشورة في الجريدة الرسمية.

وهكذا، يبدو أن ما حدث ليس تناقضا بين المؤسسات، بل تعبيرا عن استقلال وظائفها وتكاملها في آن واحد. فالمحكمة الدستورية التزمت بحدود اختصاصها، ورفضت أن تبت في غياب النص، حفاظا على منطق الرقابة الدستورية. والملك مارس اختصاصه في إصدار الأمر بتنفيذ القانون داخل الأجل الدستوري، دون أن يتجاوز طبيعته الإجرائية. أما القانون، فقد وُلد في النهاية داخل الإطار الذي رسمه له الدستور، رغم ما شاب إحدى مراحله من تعثر.

من زاوية فلسفية، يمكن قراءة هذه الواقعة باعتبارها تجسيدا لفكرة أن الشكل في القانون ليس مجرد وعاء، بل هو جزء من المعنى ذاته. فالمسطرة ليست تفصيلا تقنيا، بل هي الضمانة التي تحمي القاعدة القانونية من الانزلاق، وتجعلها ثمرة توازن دقيق بين الإرادات. وحين يختل الشكل، فإن الجواب لا يكون بتجاوزه، بل بالوقوف عند حدوده، لأن في ذلك حماية للجوهر.

إن نشر القانون في الجريدة الرسمية لا يمحو أثر قرار تعذر البت، بل يكمله من زاوية أخرى، إذ يكشف أن المسار التشريعي يمكن أن يستمر رغم تعثر إحدى آلياته، ما دام قد احترم قواعده الأساسية. وفي المقابل، فإن قرار المحكمة الدستورية يظل شاهدا على أن الرقابة الدستورية لا تُمارس خارج شروطها، وأن احترام المسطرة يظل مقدما على الرغبة في الحسم.

وبين صدور القانون وتعذر البت، تتجلى صورة دولة القانون في بعدها الأعمق: دولة لا تقوم فقط على إنتاج النصوص، بل على احترام الطرق التي تنتج بها. دولة تجعل من كل مؤسسة حارسة لاختصاصها، ومن كل مسطرة ضمانة لشرعية الفعل. وفي هذا التوازن، يتأكد أن العدالة الدستورية ليست فقط فيما يُقال، بل أيضا في الكيفية التي يُقال بها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*