عبدالعالي الجابري
في تحليل أنطونيو غرامشي، لا تُحافظ السلطة على سيطرتها بالقوة وحدها. القوة ضرورية في لحظات الأزمات، لكن الاستمرار الحقيقي يقوم على ما أسماه «الهيمنة الثقافية»: قدرة الطبقة أو المجموعة المهيمنة على جعل رؤيتها للعالم تبدو كأنها المنطق السليم والطبيعي والمصلحة العامة، بحيث يقبلها الآخرون — أو على الأقل لا يجدون بديلاً مقنعاً عنها — كأمر واقع.
في الصراع حول القانون 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، يمكن قراءة ما جرى كتطبيق معاصر ودقيق لهذا المفهوم.
على مدى سنوات، قدّمت وزارة العدل خطاباً يعتبر أن «تحديث» المهنة، و«ضبط» الولوج إليها، و«ضمان استمرارية مرفق العدالة»، و«تعزيز الحكامة والمسؤولية»، هي قيم مشتركة لا يختلف عليها عاقل.
استقلال المحامي، الذي طالما كان شعاراً مهنياً مقدساً، أُعيد تعريفه تدريجياً: لم يعد يعني الاستقلال عن السلطة التنفيذية والقضائية فحسب، بل أصبح مشروطاً بعدم عرقلة سير المحاكم، وبتحمل مسؤوليات ضريبية وتأديبية أوسع، وبالخضوع لتكوين مستمر تشرف عليه مؤسسات قريبة من الدولة.
بهذا الخطاب، تحولت مطالب هيئات المحامين من دفاع مشروع عن استقلال مهنة حرة إلى ما يشبه «الممانعة القطاعية» أو «الدفاع عن مصالح ضيقة». الإضراب، الذي كان يُقدَّم تقليدياً كأداة نضالية مشروعة، أصبح يُصوَّر كـ«تواطؤ على تعطيل العدالة» و«إضرار بحقوق المتقاضين». هذه إعادة الصياغة ليست تقنية؛ إنها جوهر الهيمنة الثقافية: السيطرة على المعاني قبل السيطرة على النصوص القانونية.
المناورات الإجرائية التي تلت عززت هذه الهيمنة. الحوار الطويل الذي لم يُفضِ إلى تنازلات جوهرية أوحى بأن الدولة «تسمع» و«تشارك»، فامتص جزءاً من الغضب وشتت الصف المهني.
الإحالة المعيبة على المحكمة الدستورية منحت المسار غطاءً مؤسساتياً دون أن تسمح بمراجعة حقيقية للمضمون. والنشر المفاجئ للقانون فرض الأمر الواقع في لحظة إرهاق جماعي.
لم تُهزم هيئات المحامين لأنها خسرت معركة في الشارع أو أمام الرأي العام بشكل ساحق. هُزمت لأن الإطار الذي كانت تدافع داخله عن استقلالها قد تغيّر. ما كان يُعتبر حتى وقت قريب حقاً مهنياً بديهياً (حق التوقف الجماعي، الاستقلال الواسع عن رقابة النيابة العامة، شروط ولوج أكثر مرونة) أصبح يبدو، في الخطاب السائد، مطلباً متجاوزاً أو مضراً بالمصلحة العامة.
الهيمنة الثقافية، كما وصفها غرامشي، لا تلغي المقاومة. هي تجعل المقاومة تبدو أقل شرعية، أو أقل واقعية، أو أقل قدرة على تقديم بديل مقنع. في الحالة المغربية، نجحت الدولة في إعادة رسم حدود ما هو «مقبول» و«معقول» داخل مهنة المحاماة، دون أن تحتاج إلى استخدام القوة المباشرة على نطاق واسع.
النتيجة أعمق من قانون جديد. إنها إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة والمجتمع المهني، حيث يصبح «المنطق السليم» الجديد هو أن استقلالية المهنة يجب أن تُمارَس داخل الحدود التي ترسمها السلطة التنفيذية والتشريعية. وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم الهيمنة الثقافية أكثر قدرة على تفسير ما حدث من مجرد الحديث عن «مناورة سياسية» أو «انتصار تشريعي».

قم بكتابة اول تعليق