في بلد يمتلك تاريخاً طويلاً من إنتاج الفقهاء والكتّاب والمناضلين والمفكرين، يبدو السؤال محرجاً في صيف 2026.
بينما تُعيد الدولة ترتيب قواعد اللعبة في قطاعات المحاماة والصحافة والتعليم العالي والصحة، يبدو المثقفون والمهنيون المفترض أنهم صفوة المجتمع أقل قدرة على فرض إيقاعهم مما كانوا عليه قبل عقدين. السلطة لا تبدو لامعة دائماً في واجهتها الحكومية، لكن الآلة تشتغل بفعالية لافتة. فأين ذهبت الانتلجنسيا؟
الإجابة لا تكمن في غياب العقول. من تابع الندوات والمناظرات واللقاءات المغلقة خلال السنوات الأخيرة يدرك أن هناك أصواتاً مغربية تتمتع بعمق تحليلي ومعرفي حقيقي. غير أن هذه الأصوات قليلة نسبياً، ومبعثرة، وغالباً ما تتحرك داخل دوائر ضيقة أو منصات محدودة التأثير. الذكاء الفردي موجود، لكن الذكاء الجماعي والتنظيمي يبدو غائباً أو ضعيفاً إلى حد بعيد.
الانتلجنسيا المغربية المعاصرة تعاني من أعطاب متراكمة. أولها التشرذم. بدل أن تتحول الاختلافات إلى ثراء في المقاربات، أصبحت في كثير من الأحيان سبباً في الاستنزاف المتبادل. ثانيها القابلية للاستيعاب. جزء غير قليل من أصحاب الكفاءات يجد طريقه إلى المناصب واللجان والإعلام المقرب من دوائر القرار، فيفقد تدريجياً المسافة النقدية التي تمنحه قيمته. ثالثها ضعف القدرة على التنظيم. التشخيص الحاد للعطب شيء، وتحويل هذا التشخيص إلى قوة اجتماعية أو مؤسسية قادرة على تعديل موازين القوى شيء آخر تماماً.
في المقابل، لا تحتاج الدولة إلى وزراء يجيدون صياغة الجمل المتماسكة كي تنتصر في هذه المعارك. هي تمتلك جهازاً مؤسسياً تراكم خبرة طويلة في إدارة النخب: يراقب، يُقيّم، يُفرّق، يستوعب، ويُحيّد. الأجهزة الأمنية تقدم الرادار، والإدارة توفر المساطر، والسياسة تمنح الغطاء، والريع يعيد ترتيب الولاءات. النتيجة جهاز يعمل بصبر وإصرار، حتى عندما تكون واجهته الحكومية باهتة أو مرتبكة.
ما يحدث ليس انتصاراً للغباء على الذكاء، بل انتصاراً للتنظيم على التبعثر، وللاستمرارية المؤسسية على المزاج الفكري المتقلب. السلطة المغربية، بما راكمته من خبرة في إدارة المجال العام منذ عقود، تجيد تحويل الزمن إلى حليف، والإجراء إلى سلاح، والانقسام إلى فرصة. أما المثقف، فيجد نفسه في معظم الأحيان أمام خيارين غير مريحين: إما البقاء في الهامش محتفظاً باستقلاليته، أو الدخول إلى الدائرة مع ما يحمله ذلك من تنازلات.
السؤال عن «أين هي الانتلجنسيا» ليس سؤالاً عن وجودها البيولوجي أو الفكري. هو سؤال عن قدرتها على التحول من حالة التشخيص إلى حالة الفاعلية.
طالما بقيت المعرفة عالية الجودة محصورة في دوائر محدودة، وطالما استمر العجز عن بناء أدوات تأثير جماعية مستقلة، ستظل السلطة — حتى في أضعف لحظات أدائها العلني — أقدر على إعادة رسم القواعد.
في نهاية المطاف، ليست المعركة بين مثقف لامع ومسؤول مرتبك. المعركة بين جهاز يعرف كيف يديم نفسه، ونخبة فكرية لم تنجح بعد في تحويل ذكائها إلى قوة.
وهذا الفارق، أكثر من أي شيء آخر، يفسر المشهد الحالي.
تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق