تعددت القراءات لما جرى من أحداث في المدينتين المحتلتين سبتة و بدرجة أقل مليلية. بين من حاول أن يضعها في سياق الصراع الجيوسياسي إقليميا و دوليا .
واعتبر ذلك مؤامرة مغربية بتنسيق مع إسرائيل وأمريكا لتأزيم حكومة سانشيز اليسارية في مدريد خاصة وأن الانتخابات في اسبانيا على الأبواب وذلك كردة فعل على مواقف هذا الأخير من الكيان ومن قضية الابادة الجماعية في غزة اضافة الى زيارته الجزائر لمناقشة مشاريع الطاقة والغاز . وبين من اعتبر ما جرى مؤامرة جزائرية سخرت لها وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الاتجار بالبشر من أجل تأزيم العلاقة بين المغرب واسبانيا.
و في نفس الآن إفساد احتفالات عيد العرش التي كانت على بعد كيلومترات من حدود سبتة المحتلة . وبين كذلك من اعتبر الهجرة الجماعية شأنا داخليا هي نتيجة موضوعية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها شرائح واسعة من المجتمع المغربي التي لا ترى في المغرب وطنا يسمح لها بالعيش الكريم . وهو ما أبانت عنه بعض الدراسات التي قدرت نسبة المغاربة الراغبين في الهجرة بالثلث. أي حوالي 11 مليون مغربي ومغربية .علما ان هذا الرقم ربما يكون غير دقيق.
بل أقل من الرقم الحقيقي بكثير. هذا بالاضافة الى بعض التصريحات الرسمية او شبه الرسمية كبلاغ المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي اوعز هذه الهجرة الى بعض الإعلانات الدعائية المغرضة التي روجت لها بعض الحسابات الخارجية التي اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي. وكذلك الى الى قرار المحكمة العليا الاسبانية التي منعت الاعادة التلقائية للمهاجرين الذين عبروا الحدود على البحر .هذا في الوقت الذي لم يعمل فيه هذا المجلس عبر لجان تحيقه الجهوية الذي ادعى تشكيلها وذلك بعد مرور أسبوع عن المأساة من التحقق حتى من أعداد الضحايا بشكل دقيق . بل اكتفى بسرد الأرقام التي أوردتها وزارة الداخلية المغربية و الداخلية الاسبانية . و هي أرقام جد متباعدة . كما لم يتحدث عن الخروقات الحقوقية التي رافقت هذه الهجرة الجماعية إلا ما تعلق منها بالجانب الإسباني. واستثنى الجانب المغربي الذي عكس ذلك، حسب ادعائه، وفر كل الامكانيات لاعادة هؤلاء المهاجرين الى مدنهم الاصلية. وقدم لهم كل الدعم والرعاية .
مع تأكيد هذا البلاغ على الحالة الوحيدة التي ظهر فيها أحد أفراد القوات الامنية المغربية وهو يعتدي بالحجارة على احد المهاجرين. وهي الحالة حسب نفس البلاغ التي يتم التحقيق فيها ،علما أن ما يتم تداوله من صور بشأنها ،حسب نص نفس البلاغ، لم تكن كلها حقيقية !.
أذن ودون الخوض في الخروقات الحقوقية التي صاحبت هذه المأساة.فان القراءات المتعددة للهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة و بدرجة اقل مدينة مليلية، لا تقارب حقيقة ما جرى، او ما سيجري في المستقبل ان استمر الوضع على ماهو عليه . إن ربط أسباب هذه الهجرة الجماعية التي تحولت الى مأساة راح ضحيتها العشرات من الضحايا ، سواء بنظرية المؤامرة الخارجية للدولة الجزائرية ، التي بمقتضاها يتحول المغرب الى بلد يسهل اختراقه ، وبالتالي التأثير في فئات واسعة من الشعب .
بل وتوجيه هذه الفئات وفق اجندات خارجية بما يحتمله هذا الطرح من تقليل قدرات المغرب في حماية سيادته وفي نفس الآن يبين مدى الهشاشة التي بلغها المجتمع المغربي الذي يمكن ان ينساق مع اي اجندة خارجية. وهو الطرح الذي استبعده لان الجزائر نفسها تعاني من نفس المعضلات و اخرها غرق اكثر من سبعة عشر جزائري قرب مايوركا.. كما ان النظرية القائلة بان المغرب والكيان وامريكا كانوا وراء هذه المأساة لتأديب الحكومة الاسبانية ورئيسها سانشيس على زيارته الاخير للجزائر التي توجت باتفاقات في مجالي الطاقة والغاز .
و على مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية والمعادية للكيان .فاني ارها تفتقد الى الموضوعية في مقاربة هذه المأساة، لان المغرب حتى وان اختلفنا مع التوجهات الحكومية التي تدبر الشان العام فيه. الا انه لا يمكن ان يقبل اي مغربي سواء معارضا او مواليا للحكومة او كدولة ان يحول مناسبة وطنية كعيد العرش الى مأتم لعشرات الضحايا المغاربة الذين راحوا نتيجة هذه المأسات . خاصة وانها حصلت على بعد كيلوترات قليلة من مكان الاحتفال مع كل ما اثارته هذه الهجرة الجماعية من تفاعلات واستنكار دولي .اضافة الى تشويه صورة المغرب على الساحة الدولية .
اما قي ما يخص النظرية التي تختزل اسباب هذه المأساة في الصعوبات المعيشية خاصة الاقتصادية منها التي يواجهها المغاربة وفقط او لاسباب مرتيطة بالتحريض الذي مارسته بعض الجهات عبر منصات التواصل الاجتماعي والفهم الخاطئء للمغاربة لقرار المحكمة العليا الاسبانية .فانها كذلك لم تخرج بعد من القرائة النمطية للهجرة التي تنظر اليها بخلفية امنية و تجعل من العامل الاقتصادي السبب الرئيسي لاستمراها وتناميها .كما انها تفتقر الى التحليل والبحث في التطورات التي خضعت لها هذه الظاهرة التي لم تعد تنحصر فقط في الفئات المجتمعية المعدومة الامكانيات .بل اصبحت تشمل كذلك فئات من مختلف الطبقات الاجتماعية .
وهو ما شاهدناه بشكل جلي عند الكثير من الشباب والقاصرين والقاصرات الذين كانوا ضمن الموجة الاخيرة من المهاجرين الى سبتة المحتلة .اذ كان جلهم يحملون هواتف ذكية من الاجيال الجديدة . بل منهم من قصد الحدود بسيارته وعبر صراحة على استعداده لتركها خلفه بعد العبور. ودون ان نذهب بعيدا يكفي ان نستحضر احصائيات الأطفال القاصرين المتخلى عنهم قصدا في الديار الاوربية في الاعوام الاخيرة خاصة في اسبانيا التي لم تفعل الاتفاقية الثنائية الموقعة بينها والمغرب سنة 2007 والتي دخلت عمليا حيز التنفيذ سنة 2013 .وهي الاتفاقية التي تقضي بترحيل الأطفال القاصرين غير المرافقين .علما ان هؤلاء الاطفال المتخلى عنهم ينتمون في نسبة مهمة الى عائلات من الطبقة المتوسطة محامين وأساتذة جامعيين وقضاة وموظفون سامون في الدولة الخ مستغلين في ذلك التزام الدول الأوربية بما فيها اسبانيا بالاتفاقية الدولية لحماية الطفل الصادرة سنة 1989 التي صادقت عليها 196 دولة عبر العالم . هذا دون أن نتحدث عن هجرة الأطر .او على الطبقات الميسورة والغنية التي يعمل الكثير منها على شراء منازل في اوروبا من اجل تمكين عائلاتهم من اوراق الاقامة وحتى الجنسية .
ان الهجرة في العقدين الأخيرين شهدت تحولا عميقا في طبيعة ونوعية المرشحين لها .اذ لم تعد تقتصر على الفئات المحرومة من المجتمع .بل شملت كل الشرائح المجتمعية و مختلف المستويات العلمية . وهو ما يستدعي دراسة سوسيولوجية متأنية .لأن تنامي ظاهرة هجرة المغاربة على مختلف انتماءاتهم الطبقية ومستوياتهم العلمية إلى أوروبا لا يمكن تفسيره بالفقر فقط. ولا بأسباب أخرى كانت في الكثير من البلدان سببا في حدوث الكثير من الهجرات الجماعية كالنزاعات المسلحة أو الاضطهاد الديني أو العرقي. لأن المغرب كما نعلم خال من هذه الأسباب .
ان تنامي وتطور طبيعة ظاهرة الهجرة في المغرب في العقدين الأخيرين إذن يستدعي أكثر من دراسة .لان في الوقت الذي يشهد فيه هذا الأخير تطورا ملحوظا على مستوى البنيات التحتية. و في الوقت الذي فتح فيه هذا الأخير اسواقه و فضاءاته للكثير من الشركات الصناعية الدولية المتعددة الجنسيات . وأصبح يتنافس على الريادة الإقليمية في بعض القطاعات التصديرية سواء صناعية او فلاحية . و الريادة العالمية في كرة القدم التي ضخ فيها استثمارات بملايير الدولارات لاستقبال كأس العالم سنة 2030 . بل ويسوق نفسه كقوة اقتصادية وعسكرية مهمة في محيطه الجهوي . نجد في مقابل كل هذه الانجازات التي تحفل بها الخطابات الرسمية ، تنامي وتطور ظاهرة الهجرة بشكل مثير .
دون أن يكون لهذا النمو في العائدات أي أثر على مستوى الاستقرار الاجتماعي وااتنمية المستدامة .ولا على قدرة هذا النمو على خلق حالة من الطمأنينة للمستقبل لفئات وشرائح واسعة من المجتمع المغربي. سواء في مجال التعليم الذي يحتل فيه المغرب المرتب 122 عالميا . والتنمية البشرية التي يحتل فيها هذا الأخير الرتبة 120 من اصل 193 دولة او مؤشر مدركات الفساد الذي حصل من خلاله المغرب على 39 نقطة على 100. ويحتل الرتبة 91 عالميا حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2025. كما يحتل المرتبة 94 من أصل 99 دولة في مؤشر الرعاية الصحية الخ …بالتالي فأن فئات واسعة من المغاربة لها الف حكاية وحكاية مع العدل والصحة والتعليم والشغل و مختلف الإدارات المكلفة بالشؤون المدنية ، والمؤسسات المعنية بالاستثمار، و مع السلطات العمومية التي أصبحت تتحكم في الشاذة والفاذة الخ… هذا ناهيك عن الحريات التي تم اختزالها في بعض المظاهر السطحية للحياة . مع تشديد الرقابة على حرية التعبير ، و مصادرة الحق في استعمال القاعات العمومية والتظاهر السلمي. هذا في الوقت الذي يعج فيه الفضاء الرقمي بالمقارنات مع ما تعيشه باقي الشعوب في التجارب الديمقراطية عبر العالم وأوروبا بشكل خاص.
ان هذه العوامل مجتمعة ،وبمعزل عن الفقر والبطالة كأسباب كلاسيكية للهجرة .هي من تنعش حالة عدم اليقين في المستقبل وتدفع بفئات واسعة من المجتمع المغربي الى البحث عن بدائل آمنة لأنفسهم ولأسرهم في بلدان تحترم الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية و حيث تسود قوة القانون بدل السلطة الغاشمة.
أن المغرب وأمام التطور الخطير لهذه الظاهرة التي لا تشكل الا مظهرا من مظاهر الأزمة العميقة التي تخترق مجتمعنا . مطالب فعلا بالتخلي عن المقاربة الامنية التي اعتمدها تاريخيا في التعاطي مع هذه الظاهرة والتي لا تزيد إلا استفحالا .بل مطالب في المقابل بمراجعة اختياراته الاقتصادية والسياسية بما يسمح باستعادة المواطنين والمواطنات الثقة في دولتهم ومؤسساتها. وذلك عبر سن سياسات اقتصادية وطنية تنعكس ايجابا على حياة المغاربة. و إصلاح نظام العدالة والتعليم والصحة .والرقي بهم ليكونوا في خدمة المواطنين والمواطنات بشكل متساوي بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية والاجتماعية. هذا بالإضافة الى تنقية الأجواء الحقوقية والسياسية من خلال إطلاق سراح كافة معتقلي الراي و معتقلي الحركات الاحتجاجية ومن ضمنهم معتقلي حراك الريف ومعتقلي جيل z . وكل المعتقلين الذي تم اعتقالهم على خلفية هذه الهجرة الجماعية .وكذا رفع القيد على التنظيمات الحقوقية والمدنية ذات التوجهات الناقدة لبعض السياسات العمومية التي تندرج ضمن اهتماماتها .إضافة كذلك الى إصلاح المشهد السياسي والحزبي الذي أصبح مرتعا لكل أشكال الفساد الانتخابي، مع إعمال مبدأ ربط المسؤولية السياسية والإدارية بالمحاسبة و مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ان المغرب ومن خلال الشروع في هذه الأوراش الاصلاحية .اضافة الى ورش الإصلاح الدستوري الذي تفرضه مقتضيات الحكم الذاتي كحل وحيد لقضية الصحراء المغربية . وهو الحل الذي سينتقل المغرب دستوريا من إطار الدولة المركزية ،إلى إطار الدولة المركبة ،او دولة الجهويات السياسية وذلك ان توفرت الارادة لدى صناع القرار ، حتى لا تكون الصحراء استثناء وذلك تفاديا لتبعات السلبية لأي وضع استثنائي من هذا القليل . وهو ما سيتطلب تمتيع جهات تاريخية اخرى بالاطونوميا ومن ضمنها جهة الريف الكبير وهو ما سيشكل مدخلا إضافيا للمطالبة باسترجاع باقي الثغور المحتلة في جهة الريف أوشمال المغرب .
ان المغرب بشروعه في كل هذه الأوراش الإصلاحية يكون قد بدأ فعلا في تأسيس الدولة الديمقراطية ،أوالدولة المواطنة الضامنة للحقوق والحريات والعدالة الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما سيعزز ثقة المغاربة في دولتهم و ينمي الشعور بالانتماء الى الوطن لديهم ويحول دون استمرار تنامي ظاهرة الهجرة بالشكل المأساوي الذي نشهده الان .
د.تدمري عبد الوهاب
طنجة في 9 غشت 2026

قم بكتابة اول تعليق