وجدة – عبدالعالي الجابري
في صباح يوم أحد حار من غشت 2026، وقف فوزي لقجع أمام مناضلي حزب الأصالة والمعاصرة في أكادير ليُلقي كلمته الأولى بصفته عضواً في المكتب السياسي. لم يكن المشهد عادياً. الرجل الذي حوّل الكرة المغربية إلى أداة دبلوماسية ورياضية دولية، والوزير المنتدب المكلف بالميزانية بصفة تقنوقراطية خالصة في حكومة عزيز أخنوش، كان يخوض أول اختبار علني بعد انضمامه الرسمي إلى «البام». الشائعات التي سبقت الخطوة ذهبت بعيداً: اسمه يتردد كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة المقبلة، تلك التي يُطلق عليها البعض «حكومة المونديال 2030». لكن هذه الشائعة، مهما بلغت قوتها الإعلامية، تظل مشروطة بشرط دستوري صارم لا يمكن تجاوزه.
الفصل 47 من الدستور المغربي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب. بمعنى آخر، لا يمكن للقجع أن يصل إلى المنصب إلا إذا تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026. بدون هذا التصدر، تبقى الشائعة خارج الإمكانية الدستورية altogether.
لكن الكلمة التي ألقاها في أكادير لم تكن إعلاناً عن مشروع، ولا بياناً عن انتقال، ولا حتى محاولة جادة لبناء هوية سياسية جديدة. كانت، في جوهرها، خطاباً حذراً إلى حد الاهتزاز، مليئاً بالإحالات المتكررة على الملك محمد السادس، و«سيدنا»، و«ما أراده سيدنا»، والتعيينات الملكية المتتالية التي تشرف بها. بدا الرجل وكأنه يتحدث من موقع «خادم الدولة» أكثر مما يتحدث من موقع “قيادي حزبي” يستعد لانتخابات تشريعية بعد أسابيع قليلة.
هذا التوتر بين الموقعين هو ما يجعل لحظة أكادير أكثر من مجرد ظهور أول. إنها تكشف عن حدود الفعل السياسي في المغرب المعاصر، وعن صعوبة تحويل الكفاءة التقنية إلى رأسمال سياسي حقيقي داخل نظام يجمع بين الملكية التنفيذية والتعددية الحزبية والانتخابات.
الخطاب الذي غاب عنه البديل
ركز لقجع على ثلاث كلمات مفتاحية: «الصدق» و«المعقول» و«استعادة الثقة». تحدث عن القدرة الشرائية، وعن صحة وتعليم «حقيقيين»، وعن ضرورة الذهاب إلى الدواوير والقرى، وعن إشراك الشباب. لكنه لم يشرح كيف ستختلف هذه الأولويات عما تفعله الحكومة التي لا يزال عضواً فيها بصفة تقنوقراطية. لم يقيّم تجربته في الميزانية، ولم ينتقد أداء الأغلبية الحالية ولو تلميحاً، ولم يبرر لماذا يختار الآن، بعد سنوات من البقاء خارج الأحزاب، أن ينضم إلى البام تحديداً.
والأهم أن الشعارات نفسها ليست جديدة. «المعقول» جزء أصيل من المعجم السياسي لحزب التقدم والاشتراكية منذ سنوات. أما «استعادة الثقة» (أو استرجاع الثقة في العمل السياسي والمؤسسات) فهي مقولة مركزية ومتكررة في قاموس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تظهر بوضوح في خطب قياداتيهما ووثائق مؤتمراتهما وفي تحاليل أزمة الثقة بين المواطنين والسياسة. استعارتهما معاً اليوم لا تضيف جديداً، بل تؤكد غياب الإنتاج اللغوي والسياسي الذاتي. النتيجة أن الخطاب لم ينتج لغة خاصة به أو بحزبه ، بل أعاد تدوير مفردات جاهزة من أحزاب أخرى داخل الحقل السياسي المغربي.
أما الإحالة المستمرة على المؤسسة الملكية فقد بلغت حداً جعل بعض المتابعين يصفون الكلمة بأنها أقرب إلى بيان ناطق رسمي باسم القصر منها إلى مداخلة حزبية.
كلمة بلا حافة سياسية حادة، بلا تشخيص صريح للتحديات، وبلا تصور واضح للمساحة التي يمكن للحزب أن يملأها بين المشاريع الملكية طويلة الأمد والمشاريع الحكومية قصيرة الأمد.
في النظام المغربي، هذا التمييز جوهري. هناك مشاريع دولة متوسطة وبعيدة المدى — النموذج التنموي، البنى التحتية الكبرى، الطاقة المتجددة، استضافة كأس العالم 2030 — تتجاوز عمر أي حكومة وتُدار تحت إشراف ملكي مباشر. وهناك مساحة أخرى يفترض أن تملأها الحكومات: أولويات الميزانية السنوية، أسلوب تدبير الملفات الاجتماعية، الإصلاحات التشريعية، وطريقة توزيع الموارد في المدى القصير والمتوسط.
عندما يكتفي السياسي بالإحالة على الرؤية الملكية دون تقديم أجندة حزبية تميز طريقته في ملء هذه المساحة، فإنه يختزل نفسه إلى منفذ تقني لا إلى فاعل سياسي.
التقنوقراطي الذي رفض الأحزاب ثم عاد إليها
لقجع ليس الحالة الأولى، لكنه حالة خاصة. دخل الحكومة بصفة تقنوقراطية صرفة، وبقي خارج التنظيمات الحزبية طوال سنوات. في 2007 كاد أن يلتحق بحزب الأحرار لكنه تراجع. اليوم، بعد أكثر من عقد ونصف، يختار البام في لحظة انتخابية حساسة. هذا الانتقال المباشر من موقع تقنوقراطي غير حزبي إلى موقع قيادي داخل حزب يطمح إلى تصدر النتائج يكشف صعوبة تحويل الكفاءة الإدارية إلى مشروع سياسي.
الكرة منحت لقجع رأسمالا رمزياً وشعبياً نادراً، وخبرة في التنسيق بين مؤسسات متعددة وفي إدارة مشاريع معقدة تحت ضغط زمني ودولي. هذه خبرة ثمينة. غير أن السياسة اليومية تتطلب شيئاً آخر: قدرة على تشخيص الاختلالات بصراحة، وعلى بناء تحالفات حزبية، وعلى تقديم بديل يُقنع الناخب بأن انتقال تقنوقراطي بارز إلى حزب معين يعني تغييراً حقيقياً في الأولويات والأساليب، لا مجرد تغيير في الموقع.
الخطاب في أكادير كشف أن هذه القدرة لم تتبلور بعد. الرجل ما زال يتحدث بلغة الوزير التقنوقراطي أكثر من لغة السياسي الحزبي. وهو محق في الحذر: السياسة المغربية مليئة بالمنعرجات، وكثير ممن اقتربوا من دوائر القرار فقدوا نفوذهم بسرعة عندما تغيرت التوازنات. لكن الحذر المفرط يحول الخطاب إلى دفاع عن الذات أكثر منه إلى عرض لمشروع.
حدود الاستقلال السياسي
يخطئ من يظن أن الملكية تلغي الفعل السياسي المستقل. وجود انتخابات وتشكيلة حزبية متعددة يعني أن هناك هامشاً للفاعلين كي يقدموا بدائل داخل الإطار العام. هذا الهامش ضيق، لكنه موجود. المشكلة تظهر عندما يتخلى السياسيون أنفسهم عن ملئه، ويكتفون بإعادة إنتاج الخطاب الولائي كبديل عن الطرح السياسي.
في هذا السياق، يبدو رهان «الخبير الذي يفتح ذراعيه لحل مشاكل المواطنين عبر الجولات الميدانية» أقرب إلى الطوباوية منه إلى الاستراتيجية. الكفاءة ضرورية، لكن بدون أجندة سياسية واضحة تعرف كيف تتعامل مع التوتر البنيوي بين المشاريع الملكية الثابتة والمساحة الحكومية المتغيرة، تبقى الجولات مجرد صورة.
والتجارب السابقة تثبت أن معظم التقنوقراط الذين اعتمدوا على هذا النموذج انتهى بهم الأمر إلى نتائج محدودة، لأن النظام نفسه يعيد ترتيب الأوراق باستمرار، ولأن المشاكل الهيكلية — البطالة، التفاوتات، الضغط على القدرة الشرائية — أكبر من أن تُحل بالكفاءة الفردية وحدها.
ما الذي ينتظره المغرب؟
انتخابات 23 شتنبر 2026 ستكون الاختبار الأول والحاسم. فقط إذا تصدر البام النتائج يصبح الطريق الدستوري مفتوحاً أمام أي اسم يختاره الملك من الحزب، بما في ذلك لقجع. أما قبل ذلك، فكل حديث عن رئاسة الحكومة يظل افتراضاً معلقاً على نتيجة انتخابية لم تأتِ بعد. وحتى إذا حدث التصدر واختار الملك الرجل، فسيواجه معادلة صعبة: كيف يدير مشاريع الدولة الكبرى بينما يقدم للناخب إحساساً بأن هناك تغييراً في أسلوب الحكم؟ كيف يحافظ على الولاء للمؤسسة الملكية بينما يبني هوية حزبية قادرة على الاستمرار بعده؟ وكيف يتجنب مصير من سبقوه ممن دخلوا السياسة من باب الكفاءة وخرجوا منها بهدوء؟
الكلمة في أكادير لم تجب عن هذه الأسئلة. ربما لأنها لم تكن مخصصة لذلك. ربما لأنها كانت مجرد خطوة أولى حذرة في طريق طويل. لكن في السياسة، الخطوات الأولى غالباً ما تكشف أكثر مما تخفي.
وهي هنا كشفت رجلاً لا يزال يبحث عن صوته السياسي داخل نظام لا يمنح الأصوات بسهولة، وخطاباً يفضل الأمان على المخاطرة، والولاء على التمايز، ويستعير شعاراته من قاموس أحزاب أخرى.
المغرب يحتاج إلى أكثر من خبراء متنقلين بين المدن والقرى. يحتاج إلى فاعلين سياسيين يعرفون كيف يملؤون المساحة المتاحة لهم بمشاريع واضحة ولغة سياسية أصيلة، حتى لو كانت هذه المساحة ضيقة.
الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان فوزي لقجع قادراً على الانتقال من خانة التقنوقراطي الناجح إلى خانة السياسي الذي يملك بديلاً، أم أنه سيبقى — مثل كثيرين قبله — خبيراً ممتازاً في تنفيذ ما هو قائم، دون أن يغير كثيراً في طبيعة ما هو قادم.
تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق