“صناعة التدجين” الإعلامي بالمغرب: بين سخاء الدعم العمومي لـ “الأقلام الموالية” ومحاصرة الأقلام الجادة

يواجه المشهد الإعلامي المغربي اتهامات ثقيلة بالتحول إلى “ريع” اقتصادي وسياسي، حيث كشفت معطيات عن استفادة مؤسسات صحفية معينة من دعم عمومي ضخم يصل إلى 100 مليون سنتيم شهرياً. هذا الكرم الحاتمي من طرف الدولة يطرح علامات استفهام كبرى حول استقلالية السلطة الرابعة وتحولها إلى أداة لتلميع الصور مقابل المال العام.

تمويل “السوبرمان” وصناعة الولاء : تشير قرارات وزارة القافة والشباب والتواصل-قطاع التواصل إلى أن هذا الدعم، الذي تشرف عليه بمعية وزارة المالية، يتجاوز مجرد المساعدة ليصل إلى حد تكفل الدولة بأجور الصحفيين والتحملات الاجتماعية (CNSS) بشكل كامل. والهدف من هذا “السخاء” هو شراء الأصوات وضمان الترويج لبعض المسؤولين، مثل فوزي لقجع، وتصويرهم في هيئة “سوبرمان” أو أبطال خارقين، مما يجعل انتقاد هذه الجهات من طرف تلك المؤسسات أمراً مستحيلاً لأن “الدولة هي من تؤدي الرواتب“.

مفارقة التمويل: قروض للكوارث ومنح لـ “الفراقشية” : تظهر في الأفق مفارقة مثيرة للاستياء؛ ففي الوقت الذي تلجأ فيه الدولة للاقتراض من المؤسسات الدولية لمواجهة تداعيات الزلازل والكوارث، تستمر في ضخ الملايين في مقاولات صحفية تتوفر أصلاً على مداخيل من الإشهار والمبيعات. هذا الوضع يسمح لأصحاب هذه المقاولات بتكديس الأرباح واستغلالها في استثمارات جانبية كالسياحة، طالما أن الدولة تتكفل بمصاريف التسيير والأجور.

سياسة “العصا والجزرة” : اضافة الى ذلك الدولة تنهج استراتيجية مزدوجة؛ فبينما يتم “صناعة” مقاولات إعلامية هجينة تُدعم مادياً ولوجيستيكياً وتُسهل لها سبل الوصول إلى المعلومة والامتيازات، تتعرض في المقابل الأقلام الجادة والمعارضة للملاحقات القضائية بتهم متفاوتة، مع إفساح المجال لـ “منتحلي الصفة” لتعكير الأجواء على المهنيين الحقيقيين (وهي نقاط تعزز واقعية الطرح حول رغبة الدولة في السيطرة الكلية على الخطاب العام).

غياب المحاسبة والشفافية: وقد نستغرب اكثر حين نعلم انه وعلى الرغم من ضخامة المبالغ المرصودة، فالمجلس الأعلى للحسابات يضل غائباً عن مراقبة كيفية صرف هذه الأموال داخل المقاولات الخاصة. كما تُحاط “لائحة المستفيدين” بتكتم شديد، مما يضرب في عمق المبادئ الدستورية المتعلقة بالشفافية والحق في الوصول إلى المعلومة.

إن استمرار هذا الوضع يحول الإعلام من أداة للرقابة والتنوير إلى “أصل تجاري” يقتات على ريع الدولة، مما يهدد بتصحير المشهد الإعلامي من أي صوت حر أو نقد بناء، ويجعل من “الخبر” بضاعة تُشترى وتُباع بتمويل من جيوب دافعي الضرائب.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*