كنتُ، ككاتب هذه السطور، من أولئك الذين رفضوا الاستسلام للنوم ليلة أمس. جلستُ أمام الشاشة حتى مطلع الفجر، أتابع ما يجري على منصات التواصل، وعلى رأسها منصة X، التي تحولت إلى لوحة فنية حية تنبض بالألوان والعواطف والصور المتحركة. كان عليّ أن أكتب تغطية فورية للحدث، لكن كثرة الأحداث والتعليقات والفيديوهات التي توثق جنون الفرح والمرح حالت دون ذلك. كل ثانية كانت تُنتج محتوى جديداً، وكل منشور كان يحمل في طياته قطعة من الروح المغربية المتوهجة. لم أستطع أن ألتقط القلم إلا بعد أن غمرني الفجر بضوئه الذهبي الناعم.

في تلك الليلة الساحرة، حيث كانت النجوم تتلألأ فوق سماء المملكة كجواهر مرصعة في تاج ملكي، انفجر الفرح كأنه عمل فني متكامل لا يُنسى. لم يكن مجرد انتصار كروي في دور الـ32 من كأس العالم 2026، بل كان لوحة تشكيلية نابضة بالحياة: الأعلام الحمراء والخضراء ترفرف كفرشاة فنان على قماش السماء، والأصوات تندمج في سيمفونية عفوية تشبه مقطوعة موسيقية راقية.
في شوارع وجدة و الدار البيضاء ومراكش وفاس والرباط، تحولت الساحات والأحياء إلى معارض مفتوحة للفرح الجماعي. الشباب يرقصون كأنهم يؤدون رقصة باليه معاصرة، أجسادهم تتحرك بتناغم مع إيقاعات الأغاني الوطنية. رفضوا الخلود إلى النوم، كأن النوم خيانة لتلك اللحظة التاريخية التي لا تتكرر.
كان المشهد أجمل من أي لوحة: الآباء والأمهات يقفون بجانب أبنائهم وبناتهم، يضحكون ويغنون ويحتضنون بعضهم بعضاً. هذه الظاهرة الجميلة التي اكتسبها الجمهور المغربي من خلال مشاهدة اللاعبين المغاربة وهم يصطحبون أولياء أمورهم وأطفالهم وزوجاتهم إلى الملاعب لمؤازرتهم بعين المكان، انعكست الآن على الواقع المغربي. أصبحت العائلات تحتفل جماعياً بالانتصار، كأن كل بيت تحول إلى مدرج صغير يعج بالحياة والفرح المشترك.
ولم يقتصر الاحتفال على الساحات الكبرى. تجول بعض الشباب في الأحياء السكنية، يعلنون بصوت عالٍ وواضح نبأ الفوز، تماماً كما كان يُعلن في زمن مضى عن حلول موعد السحور في أيام رمضان المبارك. «فاز المغرب!.. فاز الأسود على هولندا!». كانت أصواتهم تتردد بين الجدران كنداء تاريخي، يصل إلى القلة القليلة التي ربما لم تتابع المباراة، فيحملون لهم الخبر كأنه هدية ثمينة في ليلة لا تنام.
ولم يكن الفرح محصوراً داخل حدود المملكة. في المكسيك، حيث احتضن ملعب مونتيري المباراة، امتزجت أصوات الجماهير المكسيكية بصيحات الدعم للمغرب، كأنها تحية فنية راقية من قارة إلى أخرى. أما في هولندا نفسها، فقد تحولت أحياء الجالية المغربية إلى كرنفال من الألوان والأضواء، حيث اختلطت دموع الفرح بدموع الحنين، وارتفعت الأعلام المغربية جنباً إلى جنب مع الواقع الهولندي.

الأجمل من كل ذلك أن طاقم المنتخب الهولندي ولاعبيه أنفسهم عبروا، بكل نبل رياضي وأناقة، عن احقية المغرب في هذا الفوز. كلمات احترام وتقدير صدرت من الجانب الهولندي، تؤكد أن الأداء المغربي كان أرقى وأكثر استحقاقاً في تلك الليلة التاريخية.
مع اقتراب الشروق، بدأت السماء تتلون بدرجات الوردي والبرتقالي الناعمة، كأن الشمس كانت ترسم لوحة جديدة على جدار التاريخ. في هذا الفجر، لم يعد المغرب مجرد دولة تفوز بمباراة؛ أصبح قصيدة حية، ولوحة فنية أنيقة، وسمفونية لا تنتهي. كنتُ هناك، أتابع كل تفصيلة وكل صوت وكل عائلة تحتفل معاً، حتى أكتب لكم هذه الملحمة التي لم تنم فيها المملكة.
تحيا الأسود الأطلسية..
وتحيا المملكة في كل فجر جديد.
قم بكتابة اول تعليق