تحولات السلطة في المغرب: من “الصلابة” إلى “المرونة” وسؤال الانتقال السياسي

في قراءة عميقة لمسارات الدولة المغربية، يفتح الأكاديمي والباحث عبد الله ساعف نقاشاً فكرياً يتجاوز القراءات السطحية للمستجدات السياسية، مفضلاً الحديث عن “تطورات” بنيوية عوضاً عن “مستجدات” عابرة. ينطلق ساعف من مساءلة الأطروحات الكلاسيكية التي هيمنت على السوسيولوجيا السياسية المغربية، لاسيما تلك التي بشرت بـ “الجمود في خدمة اللا تغيير”، كأعمال “واتربوري” في “أمير المؤمنين” و”ريمي لوفو” في “الفلاح مدافعاً عن العرش”.

تفكيك أطروحة الجمود

كانت الرؤية التقليدية ترى أن العمليات التحديثية الكبرى في المغرب، مثل بناء السدود أو إجراء الانتخابات، لم تكن سوى أدوات لإعادة إنتاج النخب التقليدية وتركيز سلطة “الأعيان”. إلا أن ساعف يشير إلى أن هذه الأطروحة بدأت تتلاشى مع المتغيرات الديموغرافية وتوسع رقعة التمدرس. وفي هذا السياق، يبدي تحفظاً واضحاً تجاه مصطلح “الانتقال الديمقراطي” الذي ساد كـ “موضة” في التسعينيات، مفضلاً وصف الحالة المغربية بـ “الانتقال السياسي”؛ كونه تعبيراً أدق عن حركية لم تتحدد معالمها النهائية بعد.

المجتمع المغربي: ثورة ديموغرافية وتحولات قيمية

يرصد ساعف قائمة طويلة من التحولات التي اخترقت بنية المجتمع، واصفاً إياها بـ “الثورة الديموغرافية”. ومن أبرز هذه المؤشرات:

  • تقلص الأسرة الممتدة لصالح الأسر النووية وتوسع المجال الحضري.
  • تأثير “الرقمي” وتصاعد نسبة البطالة بين الشباب (15-24 سنة) لتتجاوز 30%.
  • بروز “الجيل السابع” الذي بات يشكل ثقلاً انتخابياً وازناً بنسبة 35% من اللوائح.
  • تحول لافت في مؤشرات التدين، حيث تشير بيانات “البارومتر العربي” إلى توسع قاعدة المتدينين لتصل إلى 79% في عام 2025 مقارنة بـ 2011،.

مستويات السلطة الأربعة

يحلل ساعف بنية الدولة من خلال أربعة مستويات متداخلة:

  1. مركزية الدولة: وهي السلطة الأساسية المرتبطة بالاندماج الوطني والتماسك والأمن،.
  2. الدولة الإدارية: التي تدبر حياة المجتمع بناءً على توازن القوى والمؤسسات التشريعية والقضائية.
  3. النخب السياسية والاقتصادية: التي تسعى دائماً لتمرير نفوذها في صناعة القرار، رغم تراجع أدوارها في “الوساطة”.
  4. المجتمع كفاعل احتجاجي: الذي يتأرجح دوره بين التفاوض والاحتجاج، أو أحياناً الاكتفاء بدور “المشاهد”.

من السلطة الصلبة إلى السلطة اللينة

الخلاصة المركزية في تحليل ساعف هي انتقال المغرب من “سلطة صلبة” ميزت العقود الماضية، إلى “سلطة لينة” تغتني نعومتها تدريجياً. هذه السلطة الجديدة تعتمد على التفاوض والادماج بدلاً من التهميش، لكنها تظل “سلطة مراقبة” في جوهرها.

ويظهر هذا التحول بوضوح في “مأسسة” التعددية؛ فالمشهد الذي كان بسيطاً بفاعلين محدودين، تطور ليضم اليوم نحو 35 أو 36 حزباً سياسياً. كما يسوق مثالاً بـ “الاتحاد العام لمقاولات المغرب” (CGEM)، الذي انتقل من إطار موروث عن الاستعمار إلى “نقابة للمقاولين” ذات خطاب ليبرالي هجومي يطالب بالمبادرة الحرة، مما يعكس تعددية داخلية وتيارات متصارعة بين “المحافظة” و”الحداثة”،.

إن المغرب، حسب هذه الرؤية، يعيش ديناميات متسارعة تفرض على الباحثين احترام “الهوية التخصصية” للعلوم الاجتماعية والابتعاد عن التحاليل السريعة التي تفرضها “النزعة الحاضرية” وضغط الأحداث اليومية،.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*