كوميديا صيف 2026: وزارة التواصل… «نحن ندعم الصحافة، لأنها تستحق أن تُدعَم»

في مشهد يليق بكوميديا عبثية من إخراج بيروقراطي محترف، أكدت منظمة ترانسبرانسي المغرب أن الدعم العمومي للصحافة لم يعد مجرد «مساعدة ظرفية» كما كان يُروَّج له في زمن كورونا، بل تحول إلى آلية شبه دائمة لتمويل مقاولات خاصة من جيوب المواطنين، بمبلغ تجاوز مليار ونصف مليار درهم بين 2020 و2025.

الوزارة المسؤولة عن قطاع الإعلام، التي تُفترض فيها أن تكون حارسة الشفافية والتعددية، اختارت أن تتعامل مع الموضوع بمنطق «الكرم الاستثنائي المستمر». فبدل أن يكون الدعم جسراً مؤقتاً لعبور أزمة، أصبح جسراً دائماً يربط بين خزينة الدولة وخزائن بعض المقاولات الصحفية، خاصة الكبرى منها.

عندما تصبح الرقابة مدعومة من الجهة التي يجب مراقبتها

الأمر المضحك (والمبكي في الوقت نفسه) هو أن الصحافة، التي يُفترض أنها «السلطة الرابعة» وتراقب السياسات العمومية وتسائلها، أصبحت في جزء منها معتمدة بشكل شبه كلي على الجهة نفسها التي يجب أن تراقبها.

وزارة التواصل، بدلاً من أن تطرح سؤالاً بسيطاً: «لماذا لم تستطع بعض هذه المقاولات استعادة توازنها المالي رغم كل الدعم الذي تلقته منذ بدء الجائحة؟»، اختارت أن تستمر في الدفع، كمن يُطعم طفلاً كبيراً لا يريد أن يتعلم كيف يأكل لوحده.الشفافية؟ «سننشرها… يوماً ما»الأكثر إثارة للسخرية هو غياب أي لوائح مفصلة ومحينة تُبيّن:

  • من استفاد؟
  • كم استفاد؟
  • كم عدد الأجراء الذين تم الحفاظ عليهم فعلياً؟
  • أين او فيما صرفت الأموال التي وزعت؟

في قطاع يطالب يومياً بالشفافية من الآخرين، يبدو أن الشفافية نفسها أصبحت «سرّاً من أسرار الدولة».

ربما تخشى الوزارة أن يصاب المواطن بالصدمة إذا عرف أن جزءاً كبيراً من مليار ونصف المليار ذهب لمن كانوا أصلاً الأقوى مالياً، بينما تُترك المقاولات الصغيرة والجهوية بعضها تتقاتل على الفتات واخرى تعتمد على التمويل الذاتي لسنوات.

معايير «عادلة»… للكبار فقط

حسب ترانسبرانسي، فإن المعايير المعتمدة في توزيع الدعم (رقم المعاملات، كتلة الأجور…) تبدو مصممة خصيصاً لتكافئ من هو كبير أصلاً. هكذا، بدل أن يذهب الدعم لتعزيز التعددية والصحافة الجهوية والمقاولات الناشئة، يذهب في الغالب إلى من يملكون القدرة على تقديم أرقام كبيرة.

الأمر يشبه أن تُعطي جائزة «أفضل سباح» لمن يملك بالفعل أكبر مسبح وان كان ضعيفا في رياضة السباحة.

الخلاصة الرسمية

الوزارة المسؤولة عن الإعلام نجحت في تحويل دعم استثنائي فرضته جائحة، إلى ريع شبه هيكلي، دون نشر لوائح واضحة، ودون تدقيق مستقل، ودون ربط الدعم بمؤشرات حقيقية للأداء.

والنتيجة: صحافة بعضها يعتمد على الدولة التي يُفترض أن يراقبها، وصحافة أخرى (صغيرة وجهوية) تُترك تُصارع من أجل البقاء، بينما الوزارة تكتفي بترديد أن «الدعم مشروع من حيث المبدأ».

ربما حان الوقت لأن تسأل الوزارة نفسها سؤالاً بسيطاً:

هل نحن ندعم الصحافة… أم ندعم استمرار نموذج اقتصادي فشل في الاستمرار لوحده؟

والإجابة، كالعادة، ستأتي… بعد التحقيق الذي لن يأتي.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*