مراكش، 30 أكتوبر 2026 — في مثل هذا اليوم قبل 79 عاماً، ولد المفكر والكاتب والسياسي المغربي عبد الصمد بلكبير في المدينة الحمراء. وفي تدوينة طويلة نشرها بمناسبة الذكرى، استعرض مساراً امتد من سنوات التعليم المتقطعة في ظل أزمة العرش، مروراً بإضرابات التلاميذ والانتفاضات والنضال السري، وصولاً إلى الاندماج في الحياة السياسية والثقافية الشرعية، مع إصرار على أن «اليقين ثابت بصواب الموقف» والأمل في الوحدة والديمقراطية والتنمية.
كتب بلكبير، وهو أستاذ جامعي متقاعد ومدير مجلة «الملتقى»، أن رأسه «سقط» في مراكش يوم 30 أكتوبر 1947. وبعد سنوات قليلة، توقفت دراسة تلاميذ أسرته لعامين (1953-1955) تضامناً واحتجاجاً على خلع الملك محمد الخامس. وصف القرار بأنه «وطني أعور»، وكان هو من ضحاياه. هذه الفترة تعود إلى أزمة 1953 التي شهدت نفي الملك بتعاون بين السلطات الفرنسية والباشا التهامي الكلاوي، قبل عودته واستقلال المغرب عام 1956.
في 1954 انخرط في «الكشفية العبدلاوية» المرتبطة بحزب الشورى والاستقلال، ثم التحق عام 1955 بالمدرسة العبدلاوية ذاتها، التي كانت تقدم مطلبي الإصلاح والديمقراطية على مطلب الاستقلال «ربما كان محقاً». كان قد سجل سابقاً في مدرسة الباشا الكلاوي. عام 1957 انضم إلى الشبيبة العاملة المغربية التابعة للاتحاد المغربي للشغل.
من الإضرابات إلى الانتفاضة
عام 1962 بدأ العمل النقابي في «ودادية أوطم» بثانوية ابن يوسف. وفي 1963، خلال إضراب وطني دام ثلاثة أشهر شمل ثانويات التعليم الأصيل، تولى مسؤولية فيه. كان الهدف أبعد من المطالب النقابية: رد فعل على اعتقالات 16 يوليوز 1963 لقادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتهمة «مؤامرة لقلب نظام الحكم». انتهى الإضراب بمناظرة إيفران لإصلاح التعليم.
في مارس 1965 شارك في اجتماع مركزي بالدار البيضاء قرر الإضراب الوطني، الذي تحول إلى انتفاضة. اعتقل مع 12 تلميذاً مناضلاً في سجن بولمهارز، وأُطلق سراحه بعد خطاب العفو الملكي على قادة الاتحاد (الفقيه البصري وآخرين). هذه الأحداث جزء من احتجاجات 23 مارس 1965 التي شهدت قمعاً شديداً في الدار البيضاء وأصبحت رمزاً للنضال الطلابي واليساري.
بعد العدوان الإسرائيلي عام 1967، نظم أول مظاهرة احتجاج وتضامن في السمارين مع توزيع مناشير و«تهورات» شبابية أخرى. انطلق وعي وتنظيم وطني-قومي يساري جديد في مراكش، أدى إلى تأسيس منظمة «23 مارس» الماركسية اللينينية. عام 1968 التحق بآداب فاس (ظهر المهراز) مسؤولاً حزبياً ونقابياً. شارك في عملية توحيد النوى الماركسية التي انتهت بانشقاق 1970 عن أحزاب الكتلة الوطنية. قرأ بيان الانشقاق بكلية العلوم بالرباط خلال نشاط رمضاني للكتلة بقيادة علال الفاسي وعبد الله إبراهيم، رغم أنه لم يكن يؤيده «نفذت القرار رغم عدم اقتناعي به حتى اليوم».
السرية والاعتقالات
عام 1972 دخل حياة السرية بعد اعتقال أحمد حرزني، مفضلاً احتمال الاعتقال على اللجوء السياسي في الخارج (الذي لجأت إليه قيادات أخرى بين الجزائر وفرنسا). في مارس 1973 اعتقل في ملف النقابة الوطنية للتلاميذ، وقضى ثلاثة أعوام ونصف، تخللها إضراب 34 يوماً عن الطعام (كان قد أضرب سابقاً في 1965 وفي مخفر الشرطة بالبيضاء عام 1973).
جرت المحاكمتان (نقابة التلاميذ ثم المؤامرة على نظام الحكم) بعد المناخ الوطني الوحدوي للمسيرة الخضراء عام 1975، فتمتع بحكم عدم المتابعة مؤقتاً عام 1976. لكن الاعتقالات والمضايقات استمرت رغم الاندماج في الشرعية: عضوية البرلمان ومجلس المدينة ومجلسي الكلية والجامعة، وتأسيس جمعيات وصحف ومجلات ودور نشر ومطبعتين ومكتبة ثقافية ومدرسة أولية وابتدائية.
الأمل رغم كل شيء
في ختام تدوينته، أكد بلكبير أن «اليقين ثابت بصواب الموقف، والأمل مؤكد بتنزيل الوحدة والديمقراطية والتنمية». اعتبر أن ما تحقق «ليس بالهين»، وثقته في الشعب راسخة ورجاؤه في المستقبل أكيد. رأى أن «نهاية الأنماط المتجددة للاستعمار تلوح في الأفق القريب بفضل تنامي وعي ونضالات جميع شعوب العالم، وفي طليعتها شعوب الأمة العربية».
وجه سلامه وتحياته ومحبته للرفاق والأصدقاء والزملاء والأحباب، والرحمة للموتى «والأحرى للشهداء منهم خاصة».
مسار بلكبير، الذي يتقاطع مع سنوات الرصاص في عهد الحسن الثاني ومع تجربة اليسار المغربي من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى منظمة 23 مارس ثم العمل الشرعي، يعكس تحولات المغرب من الاستقلال إلى التناوب السياسي في أواخر التسعينيات، حيث شغل لاحقاً منصب مستشار لرئيس الحكومة عبد الرحمن اليوسفي (1998-2002) وكان نائباً برلمانياً.
تدوينته ليست مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة على جيل من المناضلين الذين تنقلوا بين الشارع والسرية والبرلمان والجامعة، مع الحفاظ على إيمان بمستقبل الوحدة العربية والديمقراطية رغم التكاليف.


قم بكتابة اول تعليق