في المملكة المغربية حيث الصمت أحياناً أبلغ من التصريح … إشارة في ليلة المولد

في مساء الإثنين الرابع والعشرين من غشت، داخل القصر الملكي بالرباط، حيث تتلاقى ثريات بلورية مع سجاد أحمر قديم وتتماوج رائحة البخور مع صوت التلاوات، وقف أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أمام أمير المؤمنين. كان الحفل إحياءً لليلة المولد النبوي، مناسبة دينية سنوية يحرص الملوك العلويون على رئاستها منذ قرون.

لكن وسط آيات الذكر الحكيم والأمداح النبوية، انزلق اسمان من سبتة: القاضي عياض وأبو العباس العزفي. ثم جاء ذكر «دلائل الخيرات» للإمام الجزولي، الذي «كان شعاراً للمغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي».

الكلمات بدت، في ظاهرها، تاريخية وروحانية. لكن في المغرب، حيث يُقرأ الصمت أحياناً أبلغ من التصريح، حملت الإشارة وزنًا أكبر مما يوحي به السياق الديني.

قبل أقل من شهر، في الثلاثين من يوليوز، تدفقت موجة بشرية غير مسبوقة نحو سبتة. عشرات الآلاف من الشباب المغاربة، معظمهم من مناطق مختلفة، اجتازوا السياج في ساعات معدودة، متزامنين مع احتفالات عيد العرش. الصور التي انتشرت—صفوف طويلة تحت شمس الصيف، وجوه متعبة، وأجساد تتسلق—أثارت أسئلة لم تجد إجابات رسمية واضحة. من دبّر؟ كيف سُمح بتجمع بهذا الحجم في ذلك التوقيت بالذات؟ وهل كانت اليد خارجية أم داخلية؟

في منتصف غشت، خرج عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس حكومة سابق، ليقول ما كان يدور في أذهان كثيرين. في كلمة مصورة هادئة، أكد أنه توجّه بطلب إلى جلالة الملك: تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وشفافة لكشف ملابسات ما وقع. «يجب أن نعرف ماذا وقع… من الذي دبّر هذا؟ أجهة خارجية أم جهة داخلية؟» ثم أضاف، باحترام المؤسساتي المغربي المعهود: «نحن ننتظر».

لم يأتِ الرد المباشر. في النظام الملكي المغربي، نادراً ما يُجاب على مثل هذه الطلبات علناً وبصيغة رسمية. الملك يتحدث عبر خطب العرش أو الرسائل الملكية أو، أحياناً، عبر إشارات دقيقة يلتقطها «اللبيب». وهنا يأتي دور ليلة المولد.

استحضار سبتة في ذلك الإطار لم يكن اعتباطياً. القاضي عياض، المولود في المدينة في القرن الحادي عشر، صاحب «الشفا» الذي أصبح مرجعاً في محبة النبي. والعزفي، الذي أسهم في ترسيخ الاحتفال بالمولد نفسه. كلاهما من سبتة قبل أن تصبح «محتلة». ثم الانتقال السلس إلى الجزولي و«تحرير المدن المحتلة».

الرسالة، لمن يقرأ بين السطور، واضحة: الملف يُدار على أعلى مستوى، ضمن أفق سيادي تاريخي وديني، وليس مجرد أزمة أمنية عابرة أو موضوع تحقيق إداري.

القصر، بطبيعة الحال، على علم. أي حدث يمس الحدود الشمالية بهذا الحجم يدخل في دائرة الاختصاصات العليا: الأمن، السيادة، والعلاقات مع إسبانيا.

التوتر مع الجارة الشمالية ليس جديداً؛ سبتة ومليلية تبقيان جرحاً مفتوحاً في الوعي المغربي، يُستحضر كلما اشتد الضغط الهجري أو السياسي. الإشارة في ليلة المولد تعيد تأكيد هذا البعد دون الدخول في جدل علني مع معارض أو حكومة.

هذا الأسلوب—الرد بالإشارة لا بالتصريح—هو جزء من فن الحكم المغربي. الملك لا ينزل إلى ساحة المبارزات السياسية اليومية. بدلاً من ذلك، يُرسل إشارات رمزية في المناسبات التي تجمع الدين بالسلطة، حيث يصبح التاريخ أداة حاضرة، والعلماء القدامى شهوداً على استمرارية المطالب. بنكيران طلب لجنة تحقيق؛ القصر، عبر وزيره، ذكّر بأن سبتة ليست مجرد نقطة عبور، بل جزءاً من سردية أعمق.

هل كانت الكلمة رداً مباشراً على بنكيران؟ ربما لا. لكن التوقيت، والسياق، والاختيار الدقيق للكلمات، يجعلان القراءة ممكنة.

في المغرب، حيث تُدار السياسة أحياناً كرواية طويلة الطبقات، يصبح اللبيب هو من يفهم أن الصمت الملكي ليس غياباً، بل لغة أخرى.

وفي ليلة المولد، تحت أضواء القصر، تحدثت تلك اللغة باسم فقهاء سبتة القدامى، وبصوت هادئ يحمل كل ثقل الحاضر.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*