بين صرامة الشكل وفعالية الرقابة الدستورية: قراءة في عمق القرار الدستوري.

إعداد : ياسين عزاوي مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة.

تثير بعض القرارات الصادرة عن القضاء الدستوري أسئلة تتجاوز منطوقها المباشر، لتلامس طبيعة الوظيفة التي يضطلع بها القاضي الدستوري، وحدود سلطته في تفسير القواعد المنظمة لولوجه إلى ممارسة اختصاصه.

ومن هذا المنظور، يكتسي القرار المتعلق بالقانون رقم 66.23 بتنظيم مهنة المحاماة أهمية خاصة، ليس فقط بالنظر إلى النتيجة التي انتهى إليها، وإنما أيضاً بالنظر إلى ما يثيره من تساؤلات عند مقارنته بالمنهج الذي اعتمدته المحكمة الدستورية في قرارها رقم 255/25 م.د المتعلق بالقانون رقم 23.02 بشأن المسطرة المدنية.

ولا يتعلق الأمر هنا بمناقشة صحة القرار أو خطئه، ولا بالتدخل في صميم السلطة التقديرية التي تتمتع بها المحكمة الدستورية في تحديد شروط ممارستها لاختصاصاتها، وإنما بمحاولة قراءة منطقه الداخلي، واستجلاء الأساس الذي يمكن أن يبرر اختلاف المنهج بين وضعيتين تبدوان، من الناحية الإجرائية، متقاربتين.ففي قرار المسطرة المدنية، كانت المحكمة أمام إحالة لم تُرفق، بحسب ما سجلته، بالنص النهائي الذي صادق عليه مجلس المستشارين، وإنما بوثيقة تعكس مرحلة سابقة من المسار التشريعي.

ومع ذلك لم تعتبر المحكمة أن هذا النقص يحول دون ممارستها لاختصاصها، بل قامت باستحضار الصيغة النهائية للقانون، كما صادق عليها مجلس المستشارين، ثم انتقلت إلى فحص أحكامه في ضوء الدستور.

أما في القرار المتعلق بالقانون رقم 66.23، فقد اتخذت المحكمة موقفاً أكثر صرامة، إذ اعتبرت أن عدم إرفاق الإحالة بالنص النهائي للقانون يحول دون تحديد محل الرقابة على نحو يسمح بممارستها، وانتهت، بناءً على ذلك، إلى تعذر البت في الإحالة على حالتها.ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية.

فإذا كان الأمر يتعلق في الحالتين بعدم إرفاق الصيغة النهائية للنص موضوع الإحالة، فإن الاختلاف في النتيجة يقتضي، من الناحية المنهجية، البحث عن العنصر الذي أحدث هذا الاختلاف. ذلك أن الاجتهاد القضائي لا يقاس فقط بما ينتهي إليه، وإنما كذلك بالقاعدة التي يستند إليها للوصول إلى النتيجة. وكلما كانت الوقائع الإجرائية متقاربة، ازدادت الحاجة إلى بيان معيار التمييز.

ولعل السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه المقارنة هو: هل تعتبر المحكمة الدستورية أن النص النهائي للقانون لا يمكن أن يكون محل رقابة إلا إذا وصل إليها مادياً ضمن وثائق الإحالة، أم أن بإمكانها، عندما يكون النص محدداً وثابتاً بصورة رسمية، أن تستحضره من مصدره البرلماني وتجعله محلاً لرقابتها؟قرار 255/25 يبدو، في ظاهره، أقرب إلى التصور الثاني. أما القرار المتعلق بالقانون رقم 66.23 فيبدو أقرب إلى التصور الأول.

وهذا الاختلاف ليس تفصيلاً إجرائياً عابراً، لأنه يكشف عن تصورين مختلفين لوظيفة المحكمة الدستورية.

التصور الأول ينظر إلى الإحالة باعتبارها إطاراً إجرائياً صارماً، لا تستطيع المحكمة تجاوزه، لأن اختصاصها لا يتحرك إلا في الحدود التي رسمتها الجهة المخولة دستورياً بالإحالة وبالوثائق التي وضعتها بين يديها.

أما التصور الثاني فينظر إلى الإحالة باعتبارها وسيلة لفتح الرقابة، لا غاية في ذاتها، بحيث تكون مهمة المحكمة الأساسية هي تحديد النص الذي أرادت الجهة المحيلة إخضاعه للرقابة، ثم ممارسة وظيفتها الأصلية باعتبارها حامية لسمو الدستور.

والفارق بين التصورين يعيدنا إلى مسألة قديمة في فلسفة القانون: ما العلاقة بين الشكل والغاية؟لا يمكن في دولة القانون التقليل من قيمة الشكل. فالإجراءات ليست مجرد طقوس شكلية، وإنما هي ضمانات للشرعية، وتوزيع الاختصاصات، وحماية للتوازن بين السلط.

وفي المجال الدستوري تحديداً، قد تكون القاعدة الإجرائية ذات قيمة دستورية لا تقل عن القاعدة الموضوعية، لأن احترام الاختصاصات والإجراءات هو جزء من احترام الدستور نفسه.

لكن الشكل القانوني، في فلسفة القانون، لا يستمد قيمته من ذاته فقط، وإنما من الوظيفة التي يؤديها.

فالإجراء الذي وضع لضمان وضوح محل الرقابة لا ينبغي، من حيث المبدأ، أن يتحول إلى سبب يمنع الرقابة عندما يكون محلها واضحاً وثابتاً ولا لبس فيه.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين أمرين: أن تستكمل المحكمة نقصاً لا يغير موضوع الإحالة، وأن تتولى هي إنشاء موضوع جديد للإحالة.

الأول يمكن أن يفهم باعتباره عملاً تفسيرياً يهدف إلى تحديد محل الاختصاص القضائي كما قصدته الجهة المحيلة؛ أما الثاني فإنه قد يشكل تجاوزاً لحدود الاختصاص.

ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب عبارة المحكمة في قرار المسطرة المدنية، عندما قالت إنها «استحضرت الصيغة النهائية للقانون»، أهمية تتجاوز معناها الإجرائي المباشر.

فهي تعكس، في جوهرها، إمكانية الفصل بين موضوع الإحالة وبين الوثيقة التي تجسد هذا الموضوع.فإذا كان موضوع الإحالة محدداً، وكان القانون قد استكمل مساره التشريعي، وكانت صيغته النهائية معلومة وثابتة، فإن غياب النسخة النهائية من الملف قد يكون مجرد نقص في الوعاء الوثائقي، لا نقصاً في محل الرقابة ذاته.

لكن القرار المتعلق بقانون تنظيم مهنة المحاماة يثير التساؤل حول ما إذا كانت المحكمة قد تبنت معياراً مختلفاً، يعتبر أن النص النهائي لا يصبح محلاً لرقابتها إلا إذا ورد إليها ضمن الإحالة نفسها.وهنا لا تكمن أهمية السؤال في القانون محل الإحالة، وإنما في أثر هذه المنهجية على مبدأ الأمن القانوني.

فالقضاء الدستوري، وإن لم يكن ملزماً بالجمود على اجتهاده السابق، يحتاج، أكثر من غيره، إلى قدر كبير من الاستقرار المنهجي.

ذلك أن القواعد التي يصوغها لا تنظم علاقة بين خصمين فحسب، وإنما تحدد أحياناً كيفية اشتغال مؤسسات الدولة نفسها، وتؤثر في السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفي حقوق الأفراد والمراكز القانونية.

ومن ثم فإن تغيير الاجتهاد ليس في ذاته إشكالاً؛ الإشكال يكمن عندما لا يكون واضحاً ما إذا كنا أمام تغيير في الاجتهاد أم أمام تطبيق مختلف للقاعدة ذاتها على واقعتين متشابهتين.إن المحكمة الدستورية لا تُطلب منها بالضرورة المحافظة على كل اجتهاد سابق، ولكن يُنتظر منها أن تجعل أسباب العدول، متى وجد، قابلة للاستخلاص والفهم. فالقوة الحقيقية للاجتهاد الدستوري لا تكمن فقط في سلطة المحكمة التي أصدرته، وإنما في قوة منطقه وقدرته على إنتاج قاعدة يمكن فهمها وتطبيقها في الحالات اللاحقة.

ومن هنا يمكن النظر إلى القرارين باعتبارهما يطرحان سؤالاً أعمق حول مفهوم «الرقابة الدستورية» نفسها.هل الرقابة الدستورية وظيفة لا تبدأ إلا باستيفاء شروطها الشكلية كاملة، بحيث إن أي نقص في وثائق الإحالة يمكن أن يمنع المحكمة من الولوج إلى جوهر القانون؟

أم أن الشروط الشكلية ينبغي تفسيرها في ضوء الغاية النهائية من الرقابة، أي ضمان عدم بقاء قانون مخالف للدستور خارج نطاق الرقابة بسبب عيب يمكن تداركه ولا يمس حقيقة النص المحال؟

ليس المقصود من السؤال ترجيح الفكرة الثانية بصورة مطلقة. فالمرونة غير المنضبطة قد تكون خطيرة مثل الشكلية المفرطة. فإذا أصبحت المحكمة تستحضر وثائق أو نصوصاً من تلقاء نفسها دون حدود، فقد ينفتح الباب أمام تغيير موضوع الإحالة أو التأثير في نطاقها، وهو أمر يتعارض مع طبيعة القضاء الدستوري وحدود اختصاصه.

لكن الحل لا يكمن بالضرورة في الاختيار بين الشكل والغاية، وإنما في بناء معيار يوفق بينهما.فالقاعدة الأكثر اتزاناً قد تكون هي أن المحكمة لا يجوز لها أن تنشئ موضوع الإحالة أو تغيره، لكنها تستطيع، متى كان موضوع الإحالة محدداً بصورة لا لبس فيها، أن تتحقق من الصيغة النهائية للنص الذي قصدته الجهة المحيلة، خصوصاً عندما يكون هذا النص ثابتاً في السجل التشريعي الرسمي.

وهنا يصبح معيار التمييز ليس وجود الوثيقة في الملف في حد ذاته، وإنما مدى وضوح محل الإحالة وإمكانية تحديده دون تدخل في الإرادة التشريعية أو الإرادة الدستورية للجهة المحيلة.

وهذا يقودنا إلى بعد فلسفي آخر في المسألة.القانون لا يعيش فقط في النصوص، وإنما يعيش أيضاً في المؤسسات التي تطبقه وفي التوقعات التي يبنيها المخاطبون به.

ولذلك فإن الأمن القانوني لا يعني فقط أن تكون القاعدة مكتوبة، وإنما يعني أيضاً أن يكون تطبيقها قابلاً للتوقع بدرجة معقولة.وفي هذا السياق، فإن المقارنة بين القرارين تطرح سؤالاً مشروعاً حول معيار التوقع في عمل القضاء الدستوري: هل يستطيع الفاعل التشريعي أن يعرف مسبقاً ما إذا كان نقص مماثل في وثائق الإحالة سيؤدي إلى استحضار النص النهائي من طرف المحكمة أم إلى تعذر البت؟ إذا كان الجواب غير واضح، فإن الحاجة إلى تعليل أكثر عمقاً تصبح أكبر.

فالتعليل القضائي ليس مجرد تبرير للنتيجة التي تم الوصول إليها؛ إنه الوسيلة التي تجعل الحكم قابلاً للفهم، وتكشف عن القاعدة التي ستتجاوز القضية الفردية إلى المجال العام.

ومن هنا تأتي قيمة المقارنة بين القرارين 255/25 و277/26.إنها لا تستدعي بالضرورة وصف أحدهما بالصواب والآخر بالخطأ، ولا تقتضي بالضرورة الحديث عن «تناقض» بالمعنى الصارم للكلمة. فقد تكون هناك عناصر واقعية أو إجرائية مختلفة تبرر اختلاف النتيجة.

غير أن هذه المقارنة تضع أمام الفقه الدستوري سؤالاً مشروعاً: ما هو معيار التمييز الذي اعتمدته المحكمة؟

فإذا كان هناك اختلاف جوهري بين الملفين، فإن الكشف عنه وتحديده كفيلان بإزالة الإشكال.وإذا لم يكن هناك اختلاف جوهري، فإن الأمر يقتضي تفسيراً أعمق لسبب اختلاف المنهج.وفي الحالتين، فإن النقاش لا ينتقص من مكانة المحكمة الدستورية، بل على العكس، يعبر عن أهمية الاجتهاد الدستوري ومكانته في بناء دولة القانون.فالقضاء الدستوري، بحكم طبيعته، لا يعيش خارج النقد العلمي.

بل إن النقد الفقهي الرصين يمثل إحدى الوسائل التي تساعد على اختبار قوة المبادئ التي ينتجها القضاء، وتمنح الاجتهاد فرصة لأن يصبح أكثر وضوحاً واتساقاً ونضجاً.

ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه المقارنة ليس: لماذا لم تفعل المحكمة في القرار الأخير ما فعلته في القرار السابق؟ وإنما السؤال الأعمق هو:هل كان قرار 255/25 يؤسس لمنهج يسمح باستحضار النص النهائي متى كان محل الإحالة واضحاً، أم أن ما قامت به المحكمة آنذاك كان معالجة خاصة لظروف تلك الإحالة؟.

إن الإجابة عن هذا السؤال تكتسي أهمية تتجاوز القانونين المعنيين، لأنها ستحدد، في نهاية المطاف، حدود العلاقة بين إرادة الجهة المحيلة، والنص التشريعي، والوثيقة الإجرائية، والوظيفة الدستورية للمحكمة.ولعل أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه هذا النقاش هو أن القانون الدستوري لا ينبغي أن يضعنا دائماً أمام الاختيار بين «حرفية النص» و«روح النص». فالدستور، في جوهره، يقوم على الجمع بين الاثنين: صرامة القاعدة من جهة، وغايتها في حماية المشروعية والحقوق والتوازن بين السلط من جهة أخرى.

فإذا أصبحت الصرامة الشكلية سبباً في حماية الدستور، فهي جزء من المشروعية.

أما إذا أصبحت سبباً في تعطيل الرقابة الدستورية دون أن يكون لذلك أثر حقيقي على تحديد محل الإحالة، فإن السؤال المشروع يصبح: هل انتصر الشكل هنا لأنه يحمي الدستور، أم لأنه أصبح غاية مستقلة عن الوظيفة التي أنشئ من أجلها؟ وهذا، في تقديري، هو العمق الحقيقي للإشكالية التي يثيرها الانتقال من القرار 255/25 إلى القرار 277/26.

إن قيمة القضاء الدستوري لا تقاس فقط بعدد القوانين التي أسقطها أو أقرها، وإنما كذلك بقدرته على بناء منهج قضائي مستقر، واضح، قابل للتوقع، وقادر على التوفيق بين احترام الإجراءات وفعالية الرقابة الدستورية.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال ليس عن «نسخة من قانون» غابت عن ملف.إنه سؤال عن شيء أعمق بكثير:متى يكون الشكل حارساً للدستور، ومتى يتحول إلى حاجز أمامه؟.

والإجابة عن هذا السؤال هي، في الحقيقة، جزء من الإجابة عن سؤال أكبر: أي قضاء دستوري نريد؟

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*