واشنطن — 22 غشت 2026
عندما ترشح دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية، تعهد بإنهاء الحروب لا بإشعالها. لكن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم غارقة في حرب جديدة في الشرق الأوسط، في مفارقة تثير الحيرة لدى الرأي العام والعديد من السياسيين الذين خلصوا خلال العقدين الماضيين إلى أن مثل هذه التدخلات خاطئة في جوهرها.
هذا هو جوهر المقال الذي نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في 12 أغسطس تحت عنوان «هوس الولايات المتحدة القاتل بالحرب»، بقلم إيما آش فورد، الباحثة في برنامج الاستراتيجية الكبرى بمركز ستيمسون. وتخلص الكاتبة إلى أن البنية المؤسسية والمصالح الذاتية هي التي تجر واشنطن مراراً إلى حروب كان يمكن تجنبها.
تشير آش فورد إلى أن الرئيس الأمريكي يملك حرية واسعة في اللجوء إلى القوة العسكرية. فمنذ عام 1991، اعتاد القادة الأمريكيون شن عمليات عسكرية لأسباب واهية، حتى لحماية مصالح ثانوية. تبدو التكاليف والمخاطر قصيرة الأجل ضئيلة في مواجهة دولة صغيرة بعيدة أو جماعة مسلحة غير حكومية؛ إذ يواصل معظم الأمريكيين حياتهم اليومية دون أن يدركوا أن بلادهم في حالة حرب، بينما يتخلى الكونغرس بسهولة عن صلاحياته الرقابية الدستورية. غير أن الخروج من هذه الصراعات أصعب بكثير، لأن واشنطن درجت على وضع أهداف متطرفة حتى في الحروب المحدودة، وترفض القيادة إنهاء التدخل إذا لم تتحقق تلك الأهداف.
لكن التكاليف ليست ضئيلة؛ إنها مخفية فحسب. فالحروب المطولة تزيد الدين الوطني، وتستنزف القوة العسكرية، وتولد تكاليف فرص بديلة باهظة، وتحول الأموال بعيداً عن الأولويات الدفاعية الضرورية والاحتياجات المحلية. وتؤكد آش فورد أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي لكسر هذه الحلقة. فإذا أراد صانعو السياسة الخارجية إنهاء هذا النمط، فعليهم إعادة تصميم المؤسسات لرفع عتبة استخدام القوة وتقليل جاذبيتها.
وتساهم المفاهيم الخاطئة الموروثة من حروب سابقة في تعميق المشكلة. أبرزها الاعتقاد بأنه إذا خسر الجيش الأمريكي، فإن السبب لا يكمن في الحرب ذاتها أو في أهدافها غير الواقعية، بل في خيارات تكتيكية خاطئة أو موارد غير كافية. ففي نحو عام 2015، عزا الجمهوريون صعود تنظيم «داعش» إلى انسحاب إدارة أوباما من العراق، لا إلى غزو عام 2003 نفسه. كما أثرت تجربة الانتصار في الحرب الباردة على التفكير الاستراتيجي الأمريكي، فجعلت أهدافاً طموحة مثل إعادة الإعمار الخارجي وتغيير الأنظمة تبدو ممكنة ومفيدة. غير أن حتى الانتصارات العسكرية الساحقة يصعب تحويلها إلى تغيير اجتماعي وسياسي دائم.
ويتمثل العامل المؤسسي الأهم في أن الشعب الأمريكي نادراً ما يتحمل عواقب التدخل العسكري بشكل مباشر. فالولايات المتحدة تعتمد على التجنيد التطوعي، ما يعني أن التكاليف البشرية تقع على عاتق فئة صغيرة ومستقرة، معظم أفرادها ينتمون اليوم إلى عائلات عسكرية. والتقدم التكنولوجي يقلل عدد القوات المطلوبة في بعض العمليات البعيدة. وبينما يعيش أفراد الجيش وعائلاتهم حالة من القلق، يقتصر التأثير المباشر على المواطن العادي في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع التضخم.
قد يبدو هذا الطابع الخفي للتكاليف وكأنه يقلل من شأن حتى حرب متسرعة مثل عملية «إيبك فيوري». فالخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبدها الأمريكيون في حروب الشرق الأوسط على مدى عشرين عاماً كانت أقل نسبياً من حروب سابقة، وتتوزع الخسائر الاقتصادية على أجيال مقبلة في شكل دين وطني. لكن هذا التقييم معيب، حسب آش فورد. فالحروب السابقة والحالية خلفت تكاليف استراتيجية طويلة الأمد تلحق الضرر بمكانة أمريكا العالمية وقدرتها التنافسية كقوة عظمى. والتاريخ واضح: إذا استنزفت قوة عظمى مواردها في صراعات ثانوية، فإنها ستعجز في النهاية عن حماية مصالحها الاستراتيجية الأساسية.
وتتمثل المشكلة الأكثر إلحاحاً في الاستنزاف الحاد لاحتياطيات الذخيرة الأمريكية. فعلى الرغم من خطط توسيع الطاقة الإنتاجية، يعاني البنتاغون صعوبة في سد النقص بسرعة، ما يخلق معضلة: كل صاروخ اعتراضي يستخدم لحماية القواعد أو مساعدة الحلفاء ضد الصواريخ الإيرانية يعني صاروخاً أقل يمكن نشره في أماكن أخرى. كما أن القوات المنتشرة في الشرق الأوسط لا يمكن إعادة نشرها بسهولة، والأموال المخصصة للحرب لا يمكن تحويلها لشراء معدات جديدة أو تطوير تقنيات متقدمة، وتكلفة إعادة بناء القواعد في الخليج تحد من قدرة الولايات المتحدة على تحديث منشآتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
حتى زيادة ميزانية الدفاع لا تخفف هذه التكاليف البديلة. فميزانية مقترحة بقيمة 1.5 تريليون دولار، تمثل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي — أعلى مستوى منذ عقود — ستحول الاستثمارات حتماً بعيداً عن مجالات أخرى حيوية، ما يعيق الابتكار والنمو الاقتصادي على المدى الطويل. وقد أدت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران إلى اضطراب مباشر في أسواق الطاقة الدولية، وقوضت دور واشنطن كمنسق عادل للمصالح العامة العالمية.
هذه التكاليف كلها لامركزية ومتأخرة. وبعد عشرين عاماً، قد تتضح عواقب اختيار خوض هذه الحروب: تراجع القوة العسكرية الأمريكية، وانخفاض النفوذ العالمي، وضعف الاقتصاد. وتثبت الحرب على إيران صحة التقييم الأولي لإدارة ترامب: في عصر التنافس الشديد، يجب على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لمواردها الشحيحة لمواجهة التحديات الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً. ومثل الرؤساء السابقين، فشل ترامب في النهاية في مقاومة إغراء استخدام القوة، ما يبرز الحاجة الملحة إلى إصلاحات جذرية ترفع تكلفة الحرب وتقلل من سهولة اللجوء إليها.

قم بكتابة اول تعليق