“المغربي” عند علال الفاسي

د. فؤاد بوعلي

تحل هذه الأيام الذكرى الثانية والخمسين لوفاة علال الفاسي. وهي مناسبة لاستحضار أهم مفاصل هذه الشخصية التي طبعت تاريخ المغرب ووسمت مراحل بناء الدولة الوطنية وهندست هيكلها السياسي والهوياتي. 

فكثيرة هي القراءات التي حاولت الإحاطة بشخصية علال وقراءته. وكل قراءة هي موقف. وكل موقف هو جواب عن سؤال واقعي أو فكري. حتى غدت صور علال كثيرة كثرة قارئيه : فهو الثوري والمثقف والسياسي والمناضل والعروبي والإسلامي والفقيه والتقدمي… وكل عنوان هو دليل على صعوبة إخضاعه للتصنيف والضبط. ودليل أكبر على أن علالا قد جمع في شخصيته الكثير من التجاذبات التي عاشتها الساحة الإسلامية والمغربية في العقود الأخيرة. حتى قال عبد المجيد بن جلون: ” إن علال الفاسي، يكادلمن لا يعرفه يتصور أن في الوطن أكثر من علال واحد، فهناك علال الشاعر، وعلالالمفكر، وعلال العالم، وعلال السياسي.”

لكن الحقيقة أن موسوعيته الفكرية وتعدد مشاربه الثقافية وتقلبه في دهاليز السياسة والمعرفة جعلته أقدر الناس على فهم الواقع المغربي والتنظير له عبر مدخل رئيس هو الإصلاحوبناء الذات الوطنية. وهذا ما جعل خطابه يتسم بروح نهضوية ضمنت له الخلود لردح من الزمن لأنه خطاب مقاومة نشأ في ظروف الممانعة. وخطاب الممانعة هو خطاب مؤسِّس وليس خطابا عابرا. لذا كان علال منشغلا في البدء بتعريف الذات الوطنية وحدودها لتجاوز الرؤية الازدرائية الاستعمارية أو الارتماء في الانعزالية القطرية التي تروج لها بعض الكتابات المعاصرة. فأسس فكرة الخصوصية المغربية على ثلاثة مقومات: جغرافي ونفسي وسوسيولوجي.

فالنموذج النفسي المغربي يرتبط  بطبيعة الأرض وهندسة الجغرافيا  التي جعلت البلاد المغربية لا تتصل برا إلا عن طريق الصحراء الواسعة التيتربطها بالشرق الأوسط وبمهابط الوحي الإلهي، في حينتمنحها سلسلة الجبال الأطلسية قوة الثبات والانعزال عما وراء البحار ومقاومة الآتي من الشمال. وهذه الإشارات التي تضمنها الخطاب العلالي تبرز فهما سوسيولوجيا للعلاقة الجدلية بين الإنسان ومحيطه الجغرافي.

لكن الاعتداد المراهن عليه هنا هو إثبات الارتباط الروحي بين النموذج المشرقي والنموذج المغربي والرفض الدائم للنموذج الغربي اللاتيني للفاصل البحري بينهما، أو لنموذج الانغلاق على الذات القطريةكيفما كانت المسميات والعناوين. فالدولة الوحيدة التي استطاعت الاندماج في التربة المغربية قبل مجئ الإسلام هي القرطاجية لأصولها المتوسطية المقاربة للثقافة المحلية.  في حين أن كل الواردين من وراء البحار لم يستطيعوا أن يندمجوا في الذات المغربية التي لفظتهم عند أول فرصة.

كما يتأسس هذا النموذج على الروح الاستقلالية التي جعلت المغرب  بالرغم من ارتضائه الإسلام دينا والعربية لغة معتدا بوجوده الخاص ناشدا مكانه تحت شمس العروبة ، غير راض أن يكون في مؤخرة القافلة العربية أو بعيدا عن مركز القيادة منها كما قال علال. وهو نفس الوعي التأسيسي للخصوصية الذي قامت عليها الدعوة النهضوية في المغرب التي آمنت بضرورة البحث عن مقومات النبوغ المغربي في شتى المجالات العلمية والفكرية.

وهذه الفكرة تجد جذورها في المرحلة ما قبل الإسلاموبعده مبثوتة في كل الآثار المغربية التي سلمت من عوادي الدهر. وهذه الذاتية هي التي نمت روح الاستقلالية في الإنسان المغربي وعدم قبوله الانصياع حتى لأقاربه المشارقة، حيث قبل المبدأ دون السلطة . “فقد اعتنق المسيحية ولكنه رفض أن يخضع للكنيسة الرسمية ، واعتنق الإسلام ولكنه رفض أن يتبع الخلافة العباسية، بل حتى الأموية التي كانت بجانبه في الأندلس “.

وهذا يعني أن الفكر المغربي يقبل الأفكار الواردة عليه لكن دون أن تمارس عليه سلطة من أصحابها، مما يجعل هذه الأفكار توطن بشكل تندمج في نسيج المجتمع المغربي وتأخذ طابعه الخاص وتصبح مغربية بالتبنيوالاعتماد. لذا لخص الخطاب العلالي الخصوصية الفكرية المغربية في مبادئ مركزية: العقلانية والروح التحررية التي وجدت في فقه مالك مبتغاها وقبول المبدأ دون السلطة.

يأخذ الخطاب العلالي راهنيته من كونه أسس للخصوصية المغربية في ابعادها الحضارية والانتمائية دون تعصب للذات أو بحث عن مفردات الانغلاق. فالهوية المغربية هي جزء من هوية الأمة التي أخذت منها المبادئ الرئيسة لوجودها دون الانصياع لسلطة الآخر شرقا او غربا. وكل محاولة لبناء سردية هوياتية خارج هذا النسق أو بحث عن ذات بدون امتداد أو انتماء هو سقوط ضروري في الخطاب الاستعماري الذي رفضه علال ومؤسسو الدولة المغربية الحديثة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*