في ظلام البحر المتوسط، حيث تبتلع الأمواجُ الأصواتَ والأحلامَ على حد سواء، تظهر صورةٌ واحدةٌ تُلخّصُ كلَّ شيء. فتاةٌ مغربيةٌ يافعة، قادمةٌ من شمال البلاد، من تلك الضفةِ التي تُسمّى سبتة، تبتسمُ ابتسامةً عريضةً وترفعُ إصبعيها في إشارةِ النصر. ليست ابتسامةَ طفلةٍ فازت بلعبةٍ في الحديقة، ولا ابتسامةَ مراهقةٍ نجحت في امتحانٍ مدرسي. إنها ابتسامةُ من عبرتِ الليلَ سباحةً، وخرجت من الماءِ كمن خرج من قبرٍ، لتعلنَ أنها «نجحت» في الفرار من الوطن.
هذه الصورةُ ليست خبراً عابراً. إنها مرآةٌ مكسورةٌ تعكسُ وجهَ بلدٍ بأكمله. خلفَ الابتسامةِ المتوهجةِ، يتسللُ اليأسُ كضبابٍ كثيفٍ يغطي السواحلَ والجبالَ والمدنَ على حد سواء. اليأسُ الذي لا يُقاسُ بالأرقامِ الرسميةِ ولا يُعلنُ في نشراتِ الأخبارِ الملوّنة. اليأسُ الذي يزرعُ في الصدورِ بذورَ الرحيلِ قبلَ أن يزرعَ أيُّ أملٍ في البقاء.
ليس الفقرُ وحده ما يدفعُ الشبابَ إلى رميِ أجسادهم في البحرِ المظلم. الجوعُ يمكنُ احتماله، والحرمانُ يمكنُ التعايشُ معه لسنوات. لكنَّ انسدادَ الأفقِ شيءٌ آخر. عندما ينظرُ الشابُ أو الفتاةُ إلى المستقبلِ فلا يرى سوى جدارٍ أسودَ لا نافذةَ فيه ولا باب، عندها يصبحُ الموتُ احتمالاً أفضلَ من الحياة. وعندما يفقدُ الناسُ الثقةَ في أنَّ الغدَ سيكونُ أفضلَ من اليوم، وعندما يتأكدونَ أنَّ الأملَ سلعةٌ نادرةٌ محتكرةٌ من قِبلِ قلةٍ قليلة، عندها يصبحُ الفرارُ بطولةً يائسةً، والابتسامةُ بعدَ العبورِ شهادةً على انتصارٍ مرير.
خلفَ هذه الصورةِ المضيئةِ، يمتدُّ ظلامٌ أعمق. عائلاتٌ قليلةٌ سطت على البرِّ والبحرِ والجو. سطت على الثرواتِ التي كان يُفترضُ أن تكونَ للجميع، وحوّلتها إلى إقطاعاتٍ خاصةٍ تُورَّثُ جيلاً بعدَ جيل. وإعلامٌ يصفّقُ، إمّا لأنه يعيشُ على الريعِ، أو لأنه وجدَ في التطبيلِ طريقاً آمناً للبقاء. تحتَ هذا الغطاءِ السميك، تتحولُ المآسيُ اليوميةُ إلى مجردِ خلفيةٍ باهتةٍ لصورةٍ لامعةٍ تُعرضُ في الواجهة.
الفتاةُ التي رفعت إشارةَ النصرِ لم تكن تبحثُ عن رفاهيةٍ زائدة. كانت تبحثُ عن أفقٍ مفتوح. وكانت تعرفُ، كما يعرفُ آلافٌ غيرُها، أنَّ الوطنَ أصبحَ ضيقاً جداً على الأحلام. في تلك الليلةِ الباردة، وسطَ الأمواجِ التي تكادُ تبتلعُها، لم تكن تقاتلُ البحرَ فقط. كانت تقاتلُ يأساً تراكمَ على مدى سنوات، يأساً صاغتْهُ سياساتٌ مغلقةٌ ووعودٌ فارغةٌ وثرواتٌ محتكرة.
والآن، بعدَ أن وصلت، تبتسم. لكنَّ ابتسامتَها ليست فرحةً خالصة. إنها ابتسامةُ من نجا من سفينةٍ تغرق، فيما الآخرونَ ما زالوا على سطحِها ينتظرونَ دورَهم. وفي كلِّ مرةٍ تظهرُ فيها صورةٌ كهذه، يتجددُ السؤالُ نفسه، بصوتٍ خافتٍ ومُرٍّ: إلى متى سيظلُّ البحرُ الطريقَ الوحيدَ نحوَ الحياة؟ وإلى متى سيظلُّ اليأسُ هو الدليلَ الوحيدَ الذي يقودُ أبناءَ هذا البلدِ إلى الضفةِ الأخرى؟
الصورةُ تقولُ كلَّ شيء. والظلامُ خلفَها يقولُ أكثر.
قم بكتابة اول تعليق