
لم أكن أعلم، وأنا العبد الفقير إلى الله، مصطفى عياش، أغادر الدار البيضاء في اتجاه الرباط، أنني سأعود من هذه الرحلة الإعلامية بذكرى ستظل راسخة في وجداني. كنت متوجهاً لتغطية افتتاح جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، السنة التشريعية الجديدة بالبرلمان، لفائدة جريدة «جيل 24»، ولم يخطر ببالي أنني سأعيش لحظة تتجاوز حدود مهمتي المهنية، وتدفعني إلى كتابة هذه الشهادة، بما تحمله من مشاعر صادقة وأحاسيس يصعب اختزالها في الكلمات.
وصلت إلى المكان الذي كان مرتقباً أن يمر منه الموكب الملكي، ووقفت في انتظار تلك اللحظة التي طالما اعتززت بمواكبتها إعلامياً. مرت الساعات، وامتد الانتظار إلى نحو ثلاث ساعات ونصف، لكنني لم أفكر في المغادرة، ولم يكن يخطر ببالي أن أترك مكاني قبل أن أعيش تلك اللحظة.
ورغم التعب الذي بدأ يتسلل إليّ، بحكم تقدمي في السن وطول الانتظار، فإن ذلك لم يزدني إلا إصراراً على البقاء. لم أكن أفكر في مشقة الطريق أو في الساعات التي أمضيتها واقفاً؛ فقد كان كل ما يشغلني أن أعيش تلك اللحظة الملكية، وأن أكون قريباً من جلالة الملك، في مشهد ظللت أتطلع إليه بكل جوارحي، مؤمناً بأن بعض اللحظات تستحق أن يتحمل الإنسان من أجلها عناء الطريق والانتظار.
وفي خضم ذلك الانتظار، تقدّم إليّ عنصران من الأمن، وطلبا مني الإدلاء بوثائقي وبطاقة الصحافة. عندها تذكرت أنني تركت أوراقي في سيارتي بالدار البيضاء. لم أكن أملك في تلك اللحظة ما يثبت صفتي الإعلامية، لكنني وجدت نفسي أجيب بعفوية، ومن دون تفكير مسبق: «جئت من أجل ملكي العزيز».
لم تكن العبارة معدّة سلفاً، ولم أقلها بحثاً عن امتياز أو رغبة في لفت الانتباه. خرجت من أعماقي كما هي، تعبيراً صادقاً عن مشاعر مواطن وإعلامي جاء إلى الرباط لأداء واجبه المهني، لكنه كان يحمل في قلبه أيضاً مشاعر الوفاء والتقدير لجلالة الملك.
وبعد انتظار طويل، جاءت اللحظة التي كنت أترقبها. مر الموكب الملكي على مسافة أمتار قليلة مني، ورأيت جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وإلى جانبه صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد.
كانت لحظة استثنائية، اختلط فيها شعور الإعلامي الذي جاء لمواكبة حدث وطني كبير بإحساس المواطن الذي يجد نفسه أمام مشهد يلامس وجدانه. غير أن أكثر اللحظات تأثيراً في نفسي كانت خلال عزف النشيد الوطني، حين كان جلالة الملك يحيي أفراد الحرس الملكي.
في تلك اللحظة، وجدت نفسي عاجزاً عن التحكم في مشاعري، وانهمرت دموعي من دون أن أستطيع منعها. لم تكن دموعاً أبحث بها عن انتباه أحد، ولا مشهداً أريد أن أتحدث عنه للتباهي؛ بل كانت تعبيراً تلقائياً عن إحساس عميق باغتني، حتى عجزت الكلمات عن التعبير عما كان يجري في داخلي.
ولم تكن دموعي وحدها ما اختزل مشاعر تلك اللحظة؛ فقد لاحظت أن التأثر امتد حتى إلى بعض الحراس الذين كانوا أمامي، ولمحت قطرة دمع تتسلل من عين أحدهم. وبينما كنت غارقاً في تأثري، وضعت امرأة كانت بالقرب مني يدها برفق على ظهري، في لفتة إنسانية عفوية زادت من عمق تأثري، وكأنها تشاركني مشاعر تلك اللحظة التي عجزت الكلمات عن وصفها.
لقد وجدت نفسي وسط لحظة إنسانية يصعب وصفها بدقة؛ لحظة لم أعد فيها أفكر في مهمتي الإعلامية وحدها، بل في ذلك الإحساس الذي جعلني أعيش المشهد بكل جوارحي. وقد أدركت حينها أن بعض الصور لا تستقر في الذاكرة بسبب ما تراه العين فقط، وإنما بسبب ما تتركه في القلب من أثر.
وبعد دخول جلالة الملك إلى البرلمان، لم أغادر المكان مباشرة. انتظرت لأكثر من نصف ساعة، رغبة في البقاء إلى حين انتهاء المراسم وخروج الموكب الملكي. وعندما ظهر جلالته من جديد، ارتفعت أصوات المواطنين والمواطنات من حولي بالهتافات والدعوات: «عاش الملك»، و«الله ينصر سيدنا»، وغيرها من العبارات التي خرجت من القلوب قبل الحناجر، محملة بمشاعر التعلق والتقدير والدعاء لجلالة الملك بموفور الصحة وطول العمر.
كان مشهداً آخر لا يقل تأثيراً عن سابقه؛ مواطنون ومواطنات يعبّرون بعفوية عن مشاعرهم، كل بطريقته، في لحظة جمعت الحاضرين حول إحساس مشترك. وبالنسبة إليّ، لم يكن الأمر مجرد متابعة لموكب ملكي، بل تجربة شخصية وإنسانية ستظل حاضرة في ذاكرتي.
لم أستشعر حجم التعب الذي أصابني إلا بعد أن بدأ الناس يتفرقون، وانتهى ذلك الزخم الذي جعلني أنسى لساعات طويلة مشقة الطريق والوقوف. عندها بدأت أمشي ببطء شديد، وقد أخذ مني الإرهاق مأخذه.
وبعد ذلك، توجهت إلى أحد المطاعم لتناول وجبة الغداء، وهناك وجدت نفسي أستعيد تفاصيل اليوم، وأتذكر محطات من مساري المهني والإعلامي. عادت بي الذاكرة إلى العمل بجريدة «الميثاق الوطني»، لسان حال حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان يقوده مؤسسه أحمد عصمان، في بداية سنة 1980، وإلى علاقات إنسانية ومهنية ربطتني بعدد من الوجوه التي عرفتها خلال تلك المرحلة، من بينها محمد أوجار، الذي أصبح لاحقاً وزيراً للعدل.
وبينما كنت أتناول البيتزا البحرية، ظل ذهني مشغولاً بما عشته في الرباط. كانت وجبة الغداء استراحة بعد يوم طويل، لكنها لم تكن قادرة على إبعاد صور تلك اللحظات عن ذاكرتي. فبعض الأيام تنتهي بانتهاء أحداثها، وبعضها يظل مفتوحاً في الوجدان، تستعيده الذاكرة كلما وجدت فرصة للعودة إليه.
لقد جئت إلى الرباط بصفتي إعلامياً لتغطية افتتاح السنة التشريعية، وعدت منها بشهادة شخصية لا أدّعي أنها تمثل مشاعر الجميع، لكنها تعبّر بصدق عما عشته أنا في ذلك اليوم. لم أذهب بحثاً عن صورة تخلّد حضوري، ولا عن فرصة لاستعراض مشاعري؛ ذهبت لأداء واجبي، فوجدت نفسي أمام لحظة إنسانية فاقت ما كنت أتوقعه، وتركت في نفسي أثراً لن تمحوه الأيام بسهولة.

قم بكتابة اول تعليق