في الرباط، بعد زوال اليوم الجمعة 9 أكتوبر، لم يكن البرد قد حلّ بعد بقاعة البرلمان، حين دخل الملك محمد السادس متكئاً على عكاز الوطنية. موعد الجلسة، هو افتتاح دورة تشريعية جديدة، بعد انتخابات 23 سبتمبر 2026، النواب في أماكنهم، والعلم في موضعه. لكن الجملة التي ستعبر المضيق في اتجاه الشمال في ساعات، لم تكن عن الحكومة الجديدة، ولا عن الإصلاحات الداخلية. كانت على لسان ملك المغرب، برفض أن تُدار الشراكة تحت الضغط أو الابتزاز.
لم يذكر جلالته سبتة. لم يحتج. كانت المدينة قد علت عناوين الصحافة الدولية، عبرت، حين تدفق عشرات الآلاف من الجانب المغربي إلى الشاطئ الإسباني.
خلال الاربعة أيام المقبلة، و بعد هذا الخطاب، سينزل الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا في المدينة نفسها، في زيارة هي الأولى لهما، والأولى التي سيبيت فيها رئيس الدولة الإسباني داخل سبتة منذ عودة الديمقراطية.
لم يكن توقيت الزيارة صدفة.
الصمت عن اسم المدينة لم يكن غفلة، في الخطاب الملكي، حيث اعترف جلالة الملك بأن المقاربة المغربية لإدارة الهجرة «أعطت نتائج ملموسة»، ثم انتقل مباشرة إلى الحد، قال إن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال «تجاوزه الزمن»، وإن «أفضل دليل على ذلك الأزمات المتكررة».
ثم خص إسبانيا بالذكر: التعاون معها عرف «تقدما مهما في مجالات عدة، بما فيها مكافحة الهجرة غير النظامية»، غير أن هذا التعاون بات يواجه اليوم «تحديات كبرى» مرتبطة بـ«أحكام قانونية متجاوزة وقرارات قضائية بعيدة عن الواقع».
وهذه، «تعيق إعادة القصر والأشخاص الذين يتبنون موقف اللاجئين، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية”. ثم جاءت الجملة التي التقطتها الوكالات قبل أن تبرد القاعة: أمام التصاريح غير المسؤولة والاستغلال الصارخ للقضية من بعض القطاعات السياسية والإعلامية، الشراكة خيار سيادي والتزام طوعي، ولن تكون موضع ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وأعلن أن المغرب سيضع على الطاولة وثيقة برؤية جديدة: تنمية مشتركة، تنافسية، استقرار إقليمي.
في مدريد، تحولت الفقرة إلى عناوين قبل المساء:
- صحيفة «لا راثون» عنونت: «محمد السادس يطلق تحذيراً لإسبانيا ويطلب إعادة القُصّر الواصلين بعد الأزمة الهجرية». ركزت على «الحد» الذي بلغه النموذج، وعلى العقبات أمام الترحيل، وكأن الخطاب طلب أحادي الجانب لا اعتراف متبادل بأن الآليات القائمة لم تعد تكفي.
- أما «بوبليكو»، فاختارت: «ملك المغرب ينتقد “عدم المسؤولية” لدى السياسيين في إسبانيا ويرفض “الضغوط”. توقفت عند انتقاد التصريحات غير المسؤولة، وربطتها بالجدل الداخلي الإسباني، حيث يحاول البعض تحويل الملف إلى ساحة تصفية حسابات انتخابية أو حزبية.
- و«أ بي سي» ذهبت في اتجاه ثالث: «ملك المغرب يدافع عن ‘التعاون’ مع إسبانيا لكنه يرى النموذج الهجري الحالي مستنفداً». احتفظت بالشق الإيجابي، لكن مع التشديد على أن النموذج بلغ منتهاه.
هذه العناوين ليست مجرد تلخيص. هي قراءة تعكس انقساماً إسبانياً داخلياً. منذ غشت، والمسؤولون المغاربة يكررون أن الورق الإسباني هو ما يُبقي القُصّر، بينما تذكّر مدريد بأن كل ملف يُدرس على حدة وفق مصلحة الطفل. الأرقام الحكومية الإسبانية تتحدث عن أكثر من أحد عشر ألف عودة أو طرد، والشاطئ في سبتة لم يعد كما كان.
لكن جزءاً من المعارضة، ومن الإعلام، يصر على تحميل الرباط مسؤولية «التساهل» أو «الاستخدام»، في وقت يرفض فيه المغرب أن يُستخدم كذريعة في حسابات انتخابية أو ككبش فداء في صراعات داخلية.
الخطاب الملكي جاء في هذا السياق بالذات: تأكيداً أن الشراكة ليست امتيازاً يُمنح أو يُسحب حسب مزاج العناوين، بل خيار سيادي يُبنى على المعاملة بالمثل.
ما خرج من القاعة يوم الجمعة لم يغلق الملف. رسم الخط الذي لا يريد الرباط أن يُتجاوز.
التعاون قائم، بل مطلوب، لكنه لا يُدار من العناوين ولا من قرار قضائي يرى أنه لا يرى الأرض. وبعد أربعة أيام، ستنزل الطائرة الإسبانية في سبتة. الملك محمد السادس تكلم اليوم عن الخيار السيادي وبهذا يكون قد قال ما لديه، من دون أن يذكر اسم المدينة التي تنتظر الزوار.
والوثيقة التي أعلن عنها ليست مجرد ورقة تقنية؛ هي دعوة لإعادة بناء النموذج على أساس يخدم الطرفين، لا على أساس يُستغل في الجدل الداخلي. الشريك المسؤول ينتظر معاملة مماثلة.
هذا ما قاله الخطاب، وهذا ما ترفض بعض العناوين الإسبانية أن تسمعه بوضوح.

قم بكتابة اول تعليق