خمسة أشهر من السخونة: لزعر والشتواني يصرخان في قاعة لا تُنجب حافلات

في قاعة لا تتسع إلا للغضب، جلس لزعر والشتواني كأنهما بقايا معركة لم تنتهِ منذ خمسة أشهر.

الهواء ثقيل، والميكروفونات لا تُمرَّر بقدر ما تُنتزع. أحدهم يقاطع، والآخر يردّ بـ«ما تعطينيش درس»، فيُجاب بـ«اسكتي» و«احترم» و«هضر باحترام».

الرئاسة تتوسل: «الله يخليكم»، «سي حسن»، «خذ راحتك»، «خلي الرئيس يجوب».

التوسل هنا ليس أدباً، بل اعتراف بأن القانون التنظيمي للجماعات صار ورقة مبللة في جيب من يدير الجلسة.

خمسة أشهر من السخونة. ليست حرارة عابرة، بل تراكم يأكل زمن الدورة. الملفات التنموية تنتظر في الطابور بينما القاعة تستهلك نفسها في نقط نظام وحق الكلام. من يتابع الجلسة من الخارج يظن أن المجلس يناقش ميزانية أو مشروعاً، بينما الحقيقة أن الخلاف صار هو الموضوع، والموضوع صار ضحية الخلاف.

الرئاسة، في هذا المناخ، لا تقرر بقدر ما تتراجع. قرار يُوضع، ثم يُلغى، ثم يُعاد صياغته تحت ضغط اللحظة. أعضاء يقارنون بالجماعات التي يديرها رؤساء يُوصفون بـ«الحكمة»، لا بمعنى الحكمة الفلسفية، بل بمعنى ألا تُصدر قراراً ثم تهرب منه قبل أن يجف حبره. هنا، الإلغاء صار عادة، والعادة صارت تُضعف قيمة المقررات نفسها.

والمواطن، خارج القاعة، يعرف أخبار جماعته من الندوات الصحفية أكثر مما يعرفها الأعضاء من داخل الدورة. «ولينا كنعرفوا الاخبار تاع الجماعه بناء على الندوات الصحفيه». جملة ثقيلة. تعني أن المؤسسة المنتخبة صارت تتلقى أخبارها من الإعلام، لا العكس.

المطالب جاءت واضحة: ندوات مفتوحة، لا مختارة، تشرح للناس «هذاك الفرح فين راه واصل». الفرح هنا ليس احتفالاً، بل الملف. والملف، كما يظهر من الصراخ، ليس في مكان يُطمئن أحداً.

خارج الأسوار، الغضب له عنوان أوضح: الأسعار. مواطنون خرجوا يحتجون على الغلاء، والمجلس داخل القاعة يتجادل في من يحق له الكلام. التحذير جاء بلا تجميل: الوضع «قنبلة»، ورائحتها بدأت تفوح، ووُصفت بـ«السم». ليست استعارة أدبية؛ هي تشخيص من داخل الجلسة نفسها. النقل جزء من هذا الغليان. الناس يريدون حافلات، لا حلولاً مؤقتة. والشركة المتعاقدة، بعد عشر سنوات، ما زالت المدينة تنتظر منها «طبيصات» جديدة، بينما الفراغ يُسد بـ«بريكلة».

عشر سنوات. الرقم يُكرَّر في القاعة كأنه اتهام. «هذ الشركه هذه را عندها 10 سنين ديالها». والسؤال الذي سقط كالحجر: «واش عمري درنا لها فرونسا ولا ترك حتى معها الحد؟» لا خطوط حمراء، لا غرامات تُقتطع بوضوح، لا حد يُوضَع. الشركة تتحدث عن ضائقة، عن صعوبة دفع أجور «الخدام»، والجماعة تجد نفسها أمام معادلة قذرة: إما التساهل في الغرامات بحجة حماية الأجور، وإما الصرامة التي قد تُستخدَم ورقة ضغط.

المال العام في الوسط، وحقوق الساكنة في أسطول يليق بها معلّقة. المراسلات موجودة، والتنبيهات مذكورة، لكن المحصلة الميدانية هي التأخر نفسه.

ما يجري ليس مشادة عابرة بين لزعر والشتواني. هو مجلس يستهلك وقته في ضبط نفسه، ورئاسة تتراجع عن قراراتها ثم تشرحها للصحافة قبل أن تشرحها لأعضائها، وشركة بعقد عشري لم تُوضَع لها حدود واضحة، وشارع بدأ يشم رائحة التردد.

خمسة أشهر من السخونة لم تُنتج قراراً مستقراً، ولا غرامة محسومة، ولا حافلات وصلت.

القاعة ما زالت تصرخ «وتطلب الاحترم»، والمدينة تنتظر أن يتحول الاحترام إلى شيء يُرى في الشارع: سعر لا يبتلع الراتب، وحافلة لا تُرقَّع، ومجلس يقرر مرة واحدة ولا يهرب من قراره.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*