شهد برنامج “بوليميك” على قناة “شذى تيفي” مواجهة سياسية ساخنة ونقاشاً حاداً بين المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووزير الشباب والثقافة والاتصال، وجمال العسري، الأمين العام لحزب اليسار الاشتراكي الموحد وعضو تحالف اليسار. وسلّطت هذه المواجهة الضوء على عمق الخلاف الأيديولوجي والسياسي بين مكونات الأغلبية الحكومية ومعارضة اليسار، حيث تقاطعت الاتهامات حول نزاهة العملية الانتخابية، وتضارب المصالح داخل الحكومات المتعاقبة، ومدى واقعية الوعود الاجتماعية والاقتصادية.
الافتراق واضح، والحوار لا يغيّره. تحالف اليسار أعلن المعارضة، ورفض لقاء المنصوري في مقر البام، وجلس جمال العسري أمام مهدي بنسعيد على شاشة مغربية نيوز ليشرح لماذا. بنسعيد شرح لماذا الاتصال تم ولماذا الاختيار محترم. لا مقاعد تُضاف إلى 162، ولا باب يُعاد فتحه على الثمانية. ما يُضاف هو النبرة التي ستدخل بها الولاية إلى القاعة، قبل أن تُعرف أسماء الجالسين في الصف الأول.
افتح جمال العسري النار على حزب الأصالة والمعاصرة بتوصيف انطلاقته بـ “الخاطئة” عقب الانتخابات، مستدلاً بما أسماه “فضيحة صاك طنجة” وما تلاها من ارتباك في التسيير التنسيقي عبر إصدار بيان يبرئ المتهم ثم تجميد عضوية عمدة طنجة، متسائلاً عن تناقض أدبيات الحزب التي نادت بتنفيذ توصيات “هيئة الإنصاف والمصالحة” مع ممارساته الميدانية واستقباله شخصيات ارتبطت بانتهاكات سابقة[. واعتبر العسري أن الفساد الانتخابي ظل بنيوياً عبر انزال المال والنفوذ في دوائر متعددة مثل مكناس وبولمان والدار البيضاء، مجدداً مطالبته بضرورة رفع يد وزارة الداخلية عن تنظيم الانتخابات لضمان الحيدة والنزاهة.
العسري لا ينتظر البرنامج لينتقد. يقول إن المنهج بدأ خطأ، وإن الحكومة السابقة كانت حكومة تضارب مصالح، و«حكومة ديال»، وإن البام كان فيها لا مشاهداً عليها. يعدّد قطاعات: العدل، والشباب والثقافة والتواصل، والتعليم العالي، والإسكان، والانتقال الطاقي، والإدماج الاقتصادي، والشغل، والانتقال الرقمي. ثمانية مواقع في ولايتين، والأثر عنده لا يطابق العدد. طنجة ومكناس حاضرتان كفضيحة لا كدائرة. هذا امتداد ندوة 30 شتنبر: الحزب، في قراءة التحالف، ليس نتاج حركة، وقيادة الحكومة امتداد لترتيب فوقي. الحوار يحوّل البلاغ إلى مواجهة شخصية. المقاطعة والضحك والاتهام المتبادل ليست زينة حلقة. هي شكل العلاقة التي يختارها ثمانية نواب مع الحزب الذي سيقود الأغلبية، أياً كان شركاؤه.
في المقابل، ردّ المهدي بنسعيد بشدة، رافضاً إطلاق اتهامات دون أدلة قضائية ملموسة، ومؤكداً أن الحزب يتخذ قرارات حازمة بتجميد العضوية وتفعيل التفتيش الداخلي حمايةً للأمانة الانتخابية واحتراماً للقضاء. وأوضح بنسعيد أن فوز الحزب في الرباط ومراكش جاء نتيجة العمل الميداني و”سياسة القرب” والتواصل المباشر مع المواطنين وليس نتيجة المال.
هنا المفارقة التي لا يحلها التشكيل. البام كان مكوناً أساسياً في الحكومة المنتهية، إلى جانب الأحرار والاستقلال. العسري يحاسبه على الحصيلة كأنه خصم الولاية كلها.
بنسعيد يدافع عن برنامج مقبل وعن انفتاح على من اختار المعارضة، ولا يملك أن يقول إن الحزب وصل إلى التكليف من خارج تلك الحصيلة.
الحدة مبنية على هذا الخلط المقصود: من كان شريكاً يُطالب، يوم يصير أولاً، بجواب عن سنوات لم يكن فيها أولاً. المعارضة الصغيرة تربح اللغة إن بقي هذا الخلط بلا تفكيك. الأغلبية تخسره إن ردت بلائحة إنجازات لا بسؤال المسؤولية.
تطرّق النقاش إلى الوعود الانتخابية السخية التي قدمها حزب الأصالة والمعاصرة، حيث شكك العسري في إمكانية تنفيذها، مستنداً إلى تصريحات لوزير العدل اعتبر فيها تلك الوعود “مزايدات انتخابية”. واعتبر العسري أن الوعود المتعلقة بتوفير مليون منصب شغل، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وإلغاء الضريبة على الدخل للأجور الأقل من 15 ألف درهم تظل مجرد استغلال لحاجة الفئات الهشة ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية لإصلاح الاقتصادي.
ورداً على ذلك، شدد بنسعيد على أن هذه الوعود تشكل تعاقداً صريحاً مع المواطنين، وأن الحزب ملتزم بالدفاع عنها لتضمينها في التصريح الحكومي وقوانين المالية المقبلة. وأشار بنسعيد إلى أن الحزب يمتلك حلولاً عملياً لضبط الأسواق وتخفيف العبء عن المواطنين عبر مقترحات مثل إحداث “شركات جهوية” للحد من وساطة السماسرة وتأمين السلع الأساسية.
غموض الأحرار لا يصمد إلى آخر الحلقة. على سؤال مباشر، يجيب بنسعيد: «صعب، صعب». الجملة ليست محضر الصخيرات، وليست الشرط الذي يسعّر به بركة الفلاحة. هي أول مرة تُقال فيها الصعوبة، بهذه الحدّة، من قيادي في البام أمام معارضة لا يعنيها التحالف.
العسري يهاجم حصيلة ولاية كان البام شريكاً فيها لا رئيساً لها. بنسعيد يرد على الحصيلة بالبرنامج، ثم يغلق سؤال الشريك الذي أدار تلك الولاية بكلمة صعوبة مكررة. السبت سحب خبراً. الخميس التلفزي يضع مكانه تقديراً. بين السحب والتقدير تبقى الحقائب المعلقة على «إن لم يشاركوا» بلا صاحب يؤكد الإخراج، وبلا صاحب ينفيه.
هذا ما سيعيش في الساحة، بمعزل عن من يُغلق الـ36 مقعداً. معارضة من ثمانية، بلا طموح عمود، تدخل الولاية بلغة الغنيمة والتضارب والتحكم، لا بلغة التعديل على برنامج لم يُنشر. قيادة البام ترد بالانفتاح وباحترام الاختيار، وتؤجل الخط الذي يفصلها عن شريك الأمس. الحدة لا تنتظر التنصيب. التنصيب سيعطيها عناوين فقط: قطاع يُنتقد كان للبام، وقطاع يُنتقد كان للأحرار، وقاعة لا تفرّق بينهما ما دام الغموض قائماً. الحوار عينة، لا نبوءة. العينة عالية الصوت قبل أن تُفتح الدورة.

قم بكتابة اول تعليق