شمس وجدة، فيديو في الجيب، ورجل يُخنق حتى الموت في الشارع العام

كانت وجدة اليوم تتنفس غباراً ثقيلاً. من نوع ذلك الغبار الذي يلتصق بحلقك ويذكرك أنك قريب جداً من الحافة الشرقية حيث كل شيء يحدث بسرعة وبلا رحمة. بينما كنت أحتسي قهوتي السوداء المريرة في مقهى متواضع بالمدينة، كانت الهواتف من حولي تهتز كأنها مصابة بهستيريا جماعية.

لم تكن رسائل عادية؛ كان مقطع فيديو يُتداول على تطبيقات التراسل كالنار في الهشيم. شاشة هاتف صلبة تعكس جثة تتداعى، ورجلاً يصرخ، وأصابع تخنق الحياة من رقبة إنسان آخر في وضح النهار، وعلى مرأى من الشارع العام. لقد رأيت مشاهد قاسية من قبل، لكن رؤية شخص يُسلب منه أنفاسه الأخيرة في فيديو بدقة HD، ثم مشاهدة الناس يمررونه بين مقاطع “التيك توك” وصور الطعام، هي التجربة الأشد تجريداً للإنسانية التي يمكن أن تشهدها.

الضحية نُقل إلى المستشفى المحلي، لكنه لم ينجُ. لفظ أنفاسه الأخيرة هناك، تاركاً خلفه بركة من التساؤلات المرعبة وغضباً عارماً يغلي في أحشاء المدينة.

في تلك اللحظات الفاصلة، تتحول البكسلات المنثورة على الشاشات إلى عدوٍ وخيطِ أملٍ في آن واحد. لم يكن أمام ولاية أمن وجدة رفاهية الوقت؛ فبينما كانت خوارزميات الهواتف تواصل نشر الفزع، دخلت المصالح الأمنية في سباق طاحن مع الزمن. معالجة تقنية خاطفة للمشاهد الرقمية، مسح دقيق للملامح، وتحليلات أمنية ميدانية مكثفة أفضت في زمن قياسي إلى فك لغز الهوية. لقد حول الأمن التوثيق المصور، الذي أراده الجاني مجرد مشاهد عابرة أو وثيقة توثق بطولته الزائفة، إلى حبل مشنقة يلتف حول عنقه قانونياً. أداء استخباري وميداني صارم قطع الطريق على أي شائعات، وأثبت أن تحويل الشارع العام إلى مسرح للجريمة لن يمر دون رد أمني ساحق ومباشر.

اليوم، الأربعاء 30 شتنبر، انقضت العناصر الأمنية على المشتبه فيه—ثلاثيني يبلغ من العمر 34 سنة، كان يسير بيننا ربما بنفس البرود الذي ظهر به في الفيديو.

تم جلب الرجل وإيداعه تحت تدبير الحراسة النظرية. النيابة العامة تتابع التفاصيل الآن، والشرطة تقلب الأوراق للوصول إلى الحقيقة: ما الذي يدفع رجلاً لخنق آخر حتى الموت في الشارع العام؟ هل هي صفقة ساءت؟ انتقام شخصي؟ أم مجرد لحظة جنون مطلق حُفرت للعين المجردة ولعدسات الهواتف؟

المشتبه فيه الآن خلف القضبان، والمحققون يحاولون نبش الخلفيات الحقيقية. أما المدينة، فتقف على أعصابها، تسأل نفسها كيف يتحول الشارع العام في لحظة خاطفة إلى مسرح لقتل مجنون تُصوره الهواتف وتدفن فيه الأرواح.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*