ميزان بلا كفتين: برنامج حزب الاستقلال يزن الشعارات ويغفل الحساب.

هيئة التحرير

في العمل السياسي، عادة ما تروي الأرقام الحكاية: معدل نمو مستهدف، أو تقليص لنسبة العجز، أو الغلاف المالي الإجمالي بالمليارات لمنهاج انتخابي طموح. غير أنه مع كشف حزب الاستقلال، أقدم الأحزاب المغربية، عن برنامجه لانتخابات 23 شتنبر 2026 التشريعية، وجد الناخبون أنفسهم أمام استراتيجية مختلفة تماماً.

أمام مشهد سياسي تطغى عليه المنافسة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، وجمهور أكثر يقظة وحفظاً للأرشيف الرقمي، اختار حزب “الميزان” ابان الحملة العودة إلى خطاب الشعار والإنشائيات على حساب دقة الالتزامات المالية ومحاسبة الأرقام.

مهارة تكتيكية في توظيف العموميات

خلال العرض الذي قدمه الحزب يوم 29 غشت بالرباط تحت شعار “وطني.. مستقبلي”، ارتكز البرنامج على خمسة محاور كبرى بالإضافة إلى “ميثاق السادس للشباب”. وجاء التقسيم المنهجي في صورة هندسية منسقة: 20 إجراءً لكل محور، اختُصرت في وثيقة تبسيطية ضمت 5 إجراءات رئيسية عن كل جانب.

لكن الوثيقة غاب عنها الرقم الأهم الذي يتطلع إليه المتابعون عادة: الكلفة الإجمالية للبرنامج. فبخلاف حليفه في الحكومة، حزب الأصالة والمعاصرة الذي ربط برنامجه بغلاف مالي صريح قدره 350 مليار درهم، تجنب حزب الاستقلال إعلان أي رقم إجمالي مجمع.

بالنسبة لـ “أبو الأحزاب”، الذي يُعرف تاريخياً بمرونته وتكتيكاته وسلوكه العملياتي، يبدو هذا الخيار محسوباً بدقة؛ إذ يُتيح التوارف خلف الشعارات والمفاهيم القابلة للتأويل مساحة تحرك مريحة، ويقيه تبعات الحملات المضادة، ويمنحه غطاءً لتفادي المساءلة في حال تغيرت الظروف الاقتصادية بعد الاستحقاق.

دعم الأسرة وحراسة القيم

استهل الحزب برنامجه بتشخيص للواقع الاجتماعي، محذراً من تحولات ديمغرافية وسوسيولوجية تهدد الأسرة المغربية بالتفكك والفردانية والإدمان. ولمواجهة ذلك، اقترح سياسات عمومية مندمجة للقيم، ومراجعة دفاتر تحملات الإعلام السمعي البصري، إلى جانب إجراءات ملموسة مثل تقديم مساعدة مالية بـ 5000 درهم للشباب المقبلين على الزواج، وتخفيضات ضريبية للأسر التي تؤدي مصاريف دراسة أبنائها.

وفي شق محاربة الفساد والريع، تعهد الحزب بإصدار قانون خاص بتضارب المصالح، وتوسيع دائرة التصريح بالممتلكات، وفرض ضريبة بنسبة 40% على الشركات في حالات الاحتكار والمضاربة.

أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فقد ركزت المقترحات على تحسين القدرة الشرائية من خلال آلية لتتبع هوامش ربح المواد الاستهلاكية، والزيادة التدريجية في الأجور والمعاشات، وتوفير تمويلات خاصة بسكن الطبقة المتوسطة، مع التأكيد على رفض تفويت الخدمات العمومية كالصحة والتعليم للقطاع الخاص.

السيادة الاستراتيجية و”جواز الشباب”

احتل ملف الأمن المائي صدارة محور السيادة الاستراتيجية، وهو الملف الذي دافع عنه الأمين العام نزار بركة شخصياً؛ حيث تضمن البرنامج أهدافاً رقمية محددة تشمل الوصول إلى 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة بحلول 2030، ونقل 800 مليون متر مكعب عبر الطرق السيارة المائية. كما التزم الحزب بمراجعة مؤشر الدعم الاجتماعي لضمان عدم حرمان الفئات الهشة لمجرد اقتناء وسيلة نقل بسيطة أو عمل أحد الأبناء.

أما “ميثاق الشباب”، الذي أشار الحزب إلى أنه صُيغ بمشاركة شبابية من مختلف الجهات، فقد جاء بمبادرة “جواز جودة حياة الشباب”، وهو نظام تنقيط يشجع التطوع والرياضة والثقافة مقابل امتيازات وقسائم تكوين.

الخطاب في مواجهة الذاكرة الرقمية

رغم تضمن البرنامج لبعض التعهدات القطاعية المحددة، كحجم إنتاج المياه أو منحة الزواج، إلا أن رؤيته الاقتصادية الكلية ظلت متفادية للتأطير المالي الصريح. وسلاح الحزب في هذه الحملة يجمع بين حصيلة وزرائه ونوابه، وبين التقية السياسية التي تجنبه الالتزامات المباشرة.

ومع ذلك، وفي ظل اتساع نطاق الوسائط الرقمية وسهولة استرجاع الوعود السابقة بنقرة زر، يراهن حزب الاستقلال على أن الجمع بين الخطاب الوطني التقليدي والإجراءات الاجتماعية المباشرة سيكون كافياً لإقناع الناخبين عند توجههم إلى صندوق الاقتراع في 23 شتنبر، في اختبار سيظهر ما إذا كان الشارع سيكتفي بالشعارات أم سيبحث عن الأرقام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*